الأحكام الشرعية » تفسير آيات القرآن الكريم (8 أسئلة)

 

السؤال: قال تعالى: (سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين) (سورة النمل/27). لمّا سمع سليمان (ع) ما اعتذر به الهدهد عن تأخره في الرجوع قال (ع): (سننظر أصدقت...) أي فيما أخبرتنا به من سبب التأخر (أم كنت من الكاذبين), وهذا ألطف وألين في الخطاب من أن يقول: أم كذبت, لأنّه قد يكون من الكاذبين بالميل إليهم, وقد يكون منهم. ثم كتب سليمان (ع) كتاباً وختمه بخاتمه ودفعه إليه, وذلك قوله تعالى: (اذهب بكتبي هذا فألقه إليهم ثم تولّ عنهم فانظر ماذا يرجعون) (سورة النمل/28), فلماذا أرسل النبيّ سليمان (ع) الهدهد مرةً أخرى وهو شاك فيه؟! مع أنّ المنطق والعقل يقضي بأن يرسل غيره ممن يثق به لا من يشك في صدقه؟

الجواب:

غرضهُ (ع) من الإرسال - وكما يظهر من مجموع الآيات ذات الصلة بالموضوع - أمران: الأوّل: التحقق من صدق أو كذب الهدهد، لأنّه إذا كان صادقاً فلا محالة سيصل من ناحية قوم سبأ جوابٌ إلى سليمان (ع) على رسالته التي بعثها إليهم، فإن وصل الجواب تبين صدق الهدهد وإن لم يصل تبين كذبه. وأمّا ضرورة وصول الجواب في حالة الصدق فلأنّ طبيعة مضمون رسالة سليمان (ع) إليهم كانت تقتضي أن لا تبقى بلا جواب من ناحيتهم، لأنّه في الرسالة طلب منهم التسليم له والخضوع لرسالته ودينه كما هو واضح من قوله تعالى: (ألاّ تعلوا عليَّ واتوني مسلمين) (النمل/31)، وكما هو واضح من قوله تعالى: (قالت يا أيها الملؤا افتوني في أمري ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون, قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد، والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين, قالت إنّ الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون)، (النمل/32-34) حيث يظهر من جواب قومها لها أنّ الرسالة طلبت منهم الدخول تحت إمرته ودينه (ع)، ولذا عرضوا قوتهم على الملكة، ويظهر أيضاً من كلامها أنّه حذرهم من دخول قريتهم وإخضاعها لحكمه (ع) كما هو بيّن من قوله تعالى: (إنّ الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلّة وكذلك يفعلون)، (النمل/35) ومثل هذه الرسالة لا يمكن أن يتجاهلها المخاطب، فإمّا أن يردّ بالنفي أو الإيجاب. والخلاصة: أنّه لا يتركها بلا جواب، فإذا كان الهدهد صادقاً فلا محالة سيصل جواب الرسالة ويتبين صدقه. الثاني: دعوتهم إلى الإيمان بالله تعالى والهداية والرشاد، فيما إذا كان خبر الهدهد صحيحاً. والنتيجة: أنّ سليمان (ع) أراد أن يحقق غرضين من خلال إرسال الرسالة هما: اختبار صدق الهدهد، ودعوة قوم سبأ إلى الهداية.

السؤال: أتمنى من سماحة الشيخ توضيح وتفسير هذه الآية المباركة من سورة يوسف (106) والتي تقول: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون)؟

الجواب:

يجب الإلتفات الى أمرين: الأول: أن هذه الآية تتحدث عن الحالة السائدة في أكثر المؤمنين الذين يتصورون أنهم من المخلصين لله سبحانه وتعالى مع أنهم لا يخلون من الشرك في عقولهم ونفوسهم وأفعالهم، والواقع أن العبادة الخالصة لله سبحانه وتعالى والخلو من الشرك بجميع مراتبه خاص بـ الخلص من أولياء الله سبحانه وتعالى, وإنما يحصل ذلك برعاية أمور كثيرة, ومن أهمها: 1- الإيمان بالله تعالى وأنه هو مبدأ الخلق والوجود بدواً واستمراراً، لا شريك له في ذلك. 2- أن تكون عبادة الإنسان خالصة لله تعالى، خالية عن الرياء والعجب. 3- أن يكون في جميع أعماله وأقواله وتروكه متبعاً لأمر الله ونهيه، لا يطيع أحداً سواه، مخالفاً لهواه. 4- أن لا يخاف من أحدٍ سوى الله تعالى. 5- أن لا يستعين في جميع أموره في ليله ونهاره بأحدٍ سوى الله تعالى، فلا يلتمس العزة إلاّ من الله، ولا يطلب الرزق إلاّ من الله، ولا دفع السؤ والشر والمرض إلاّ من الله.... 6- أن يعتمد ويؤمن بأن كل شيء بيد الله، وأن كل خير بيد الله، وكل ضر من عند الله، وأنه لا يمكن لأحدٍ أن يمنع عنه خيراً أو يدفع عنه شراً. فإذا خلا من بعض هذه الشروط فقد دخله الشرك بشكل جزئي، والإنسان الجامع لجميع هذه الأمور قليل. وممّا يوضح ويؤكد ما ذكرناه الالتفات إلى الروايات التالية: 1- ما روي عن النبي (ص) من أنه قال: (إن الشرك أخفى من دبيب النمل). (وسائل الشيعة 5/99). والمقصود أن الإنسان قد يبتلي ببعض مراتب الشرك وهو غافل عن ذلك، فيستعين بغير الله مثلاً وهو غافل عن ذلك، وهكذا...., ولذا صار أخفى من دبيب النمل, والتخلص منه والتنزه عنه يحتاج الى مراقبة شديدة للنفس . 2- ما روي عن أبي عبدالله (عليه السلام) في قول الله عزّ وجل: (وما يُؤمن أكثرُهُم بالله إلا وهُم مُشرِكون) قال: (هو قول الرجل: لولا فلان لهلكت، ولولا فلان ما أصبت كذا وكذا، ولولا فلان لضاع عيالي، ألا ترى أنه قد جعل لله شريكاً في ملكه يرزقه ويدفع عنه) قلت: فيقول ماذا؟ يقول: لولا أن منّ الله عليّ بفلان لهلكت؟ قال: (نعم, لا بأس بهذا أو نحوه). (الوسائل15/215). 3- ما روي عن أبي جعفر (ع) - في تفسير الآية وبيان المقصود بالشرك فيها - قال: (شرك طاعة وليس بشرك عبادة، والمعاصي التي يركبون ممّا أوجب الله عليها النار شرك طاعة أطاعوا الشيطان وأشركوا بالله في طاعته، ولم يكن بشرك عبادة فيعبدون مع الله غيره). (بحار الأنوار 69/99). 4- ما روي عن رسول الله (ص) إنه قال: (إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر)، قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال (ص): (هو الرياء، يقول الله تعالى يوم القيامة إذا جازى العباد بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم الجزاء). (مستدرك الوسائل 1/106-107). الثاني: إن هذه المراتب من الشرك الخفي والتي هي المقصودة بـ الآية المباركة وإن وجدت في المؤمن فإنها لا توجب كفراً ولا خروجاً عن الدين, كما أنه لا يستوجب إجراء أحكام المشركين على من تلبس بشيء من ذلك, لكن ينبغي للمؤمن أن يراقب نفسه مراقبة شديدة حتى يطهر نفسه من جميع مراتب الشرك ويربيها على الطهارة, والله تعالى هو المسعتان في كل الأمور.

السؤال: قال الله تعالى في سورة البقرة (آية 257): (اللهُ وليُّ الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات.... إلخ). هل يمكن أن توضحوا لنا ما سبب مجيء كلمة الطاغوت في الآية بصيغة المفرد مع أنّ الكلمة التي قبلها (أولياؤهم) جاءت بصيغة الجمع، وهكذا الكلمة التي بعدها (يخرجونهم) حيث جاءت بصيغة الجمع أيضاً، هل هذا دليل على أنّ كلمة الطاغوت لا يمكن جمعها في اللغة العربية على وزن (طواغيت)؟

الجواب:

كلمة الطاغوت تستعمل فيما يحصل به الطغيان ويُسبّبه في الإنسان, مثل المعبودات من دون الله كالأصنام والشياطين والجن وأئمة الضلال من بني الإنسان وكل متبوعٍ لا يرضى الله سبحانه وتعالى باتباعه، وهذه الكلمة مصدر يستوي فيه المذكر والمؤنث والمفرد والتثنية والجمع، فهو لا يحتاج إلى جمع. نعم قد تقول: لكنّه ألا يقتضي السياق وسبق ولحوق الكلمة بصيغة الجمع أن تبنى هذه الكلمة أيضاً على صيغة الجمع؟ لكن الجواب: أنّ قوله تعالى: (الذين كفروا) في آية: (والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت...) لا يراد به مجموع الكفار, بل المقصود كل واحدٍ واحدٍ منهم، وكل واحدٍ منهم ليس بالضرورة وليّه أكثر من طاغوت، فقد يكون وليّه طاغوتاً واحداً, فإذا استخدمت صيغة المفرد صلحت لمن يكون وليّه طاغوتاً واحداً ولمن يكون وليّه أكثر من طاغوت أيضاً, وهذا بخلاف ما إذا استخدمت صيغة الجمع.

السؤال: تُوجد عبارةٌ مكتوبة في آخر القرآن الكريم وهي: (برواية حفص عن عاصم) عن فلان وفلان وينسبونها لعثمان وزيد بن ثابت. إذا كان من عقيدة الإمامية الإثني عشرية أن القرآن جُمع على يد الإمام علي (عليه السلام) فلماذا نعتمد على قراءة المذكورين في العبارة؟

الجواب:

هناك أمورٌ ثلاثة يجب عدم الخلط بينها: الأول: ترتيب مواضع الآيات في السور بالشكل الموجود فعلاً في القرآن الكريم. وهذا نعتقد فيه أن الترتيب الفعلي الموجود بين الآيات في سور القرآن، كان بتوجيهٍ وأمرٍ من النبي (ص)، بل إن إعجاز القرآن الكريم يرتبط إلى حدٍ كبيرٍ منه بكيفية تنظيم الآيات في السور. الثاني: ترتيب السور في القرآن بحسب ما هو موجودٌ فعلاً في القرآن الكريم. وهذا نعتقد فيه أنّه كان بترتيبٍ من أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهذا هو الجمع الذي نعتقد أن علياً (ع) قام به، فهو الذي نظّم السور بترتيبها الفعلي الموجود في المصاحف. وعلى الأٌقل لا شكّ في أن الأئمة (ع) أمضوا الترتيب الفعلي. الثالث: كيفية قراءة الآيات. حيث وقع الاختلاف في كيفية قراءة الكثير من كلمات القرآن، وهذا الأمر لا علاقة له بالأمر الثاني ومسألة جمع القرآن على يد الإمام أمير المؤمنين (ع). وبعد التمييز بين هذه الأمور الثلاثة حينئذٍ نقول: لا خصوصية عندنا لرواية حفص عن عاصم، ولا تجب قراءة القرآن بخصوص هذه القراءة، بل تجوز القراءات السبع المعروفة المشهورة، بل وبغيرها أيضاً من القراءات إذا ثبت أنّها كانت من القراءات المتداولة والمعروفة في عصر الأئمة (ع). فالعبارة المشار إليها في السؤال: (برواية حفص عن عاصم) لا خصوصية ولا امتياز لها عندنا بالقياس إلى بقية القراءات بالشرح الذي قدمناه.

السؤال: يوجد قرّاء سبعة وإليهم تنسب القراءات السبع الموجودة حالياً في مختلف البلاد الإسلامية وهم: عبد الله بن عامر، ابن كثير المكي، عاصم بن بهدلة الكوفي، أبو عمرو البصري، حمزة الكوفي، نافع المدني، الكسائي الكوفي، وهناك ثلاثة قراء آخرون هم: خلف بن هشام البزاز، يعقوب بن اسحاق، يزيد بن القعقاع، فهل جميع القراءات المنسوبة إلى هؤلاء القرّاء هي قراءاتٌ متواترة أم أن هناك قراءةً واحدةً فقط هي المتواترة؟

الجواب:

اختلف العلماء في تواتر القراءات من عدمه، ويرى معظم المحققين من علماء الشيعة والسنّة عدم تواترها، وهو الصحيح فليست هي متواترةً عن النبي (ص)، بل ولا عن أصحاب القراءات أنفسهم أيضاً. ولا توجد فيها حتى قراءةٌ واحدةٌ متواترة، لا عن النبي (ص) ولا عن القُرّاء أنفسهم. نعم تجوز قراءة القرآن بكل واحدةٍ من القراءات السبع المذكورة في الصلاة وغيرها. وذلك لثبوت أنّها كانت متداولةً بين المسلمين مقروءةً في عصر الأئمة (ع)، مع عدم ردعهم (ع) عن القراءة بها.

السؤال: وإذا كانت هناك قراءةٌ واحدة متواترة فقط، هل هذا يعني أن باقي القراءات باطلةٌ لا يجوز القراءة بها في الصلاة؟

الجواب:

لا توجد حتى قراءةٌ واحدةٌ متواترة، لكن ليس معنى ذلك بطلانَ القراءات، بمعنى عدم جواز قراءة القرآن بها في الصلاة، بل ـ كما تقدم في الجواب السابق ـ تجوز القراءة بجميع القراءات السبع في الصلاة وخارجها، لثبوت موافقة الأئمة (ع) على قراءة القرآن بكل واحدةٍ من تلك القراءات في الصلاة وغيرها، وإن كانت القراءة التي نزل بها جبرئيل (ع) على قلب الرسول الأمين (ص) هي قراءةً واحدةً لا عدة قراءات، لكن الأئمة (ع) أذنوا لنا بأن نقرأ بكل القراءات التي كانت متداولةً مشهورةً في عصرهم، وذلك لمصلحةٍ ثانويةٍ ارتأوها اقتضت حكماً جوازياً ثانوياً بحسب تشخيصهم ونظرهم (ع) في الأمر، ومن البديهي أن اتّباعهم في جميع شؤون الدين واجب.

السؤال: هل ينال الإنسان الثواب إذا درس علمَ القراءات بهدف توظيف هذا العلم في تلاوة القرآن الكريم؟

الجواب:

يجوز تعلّم علم القراءات ويثاب الإنسان على ذلك، إذا كان هدفه من تعلم ذلك هو خدمة القرآن الكريم وتعليمه وتلاوته بالنحو الذي يرضِي الله تعالى.

السؤال: كيف يُستدل على أن كلمة (طائفة) في الآية الكريمة (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)،(2) تعمُّ الرجال والنساء، وأنَّ التكليف بطلب علوم الدين شاملٌ للجنسين، وكيف يمكن إثبات أنَّ الآية مفيدةٌ لهذا التعميم منذ نزولها في أيام النبي (صلى الله عليه وآله) إلى يومنا هذا؟

الجواب:

كلمة (طائفة) في اللغة العربية ومنذ نزول الآية المباركة تعم الذكور والإناث، ولذا لو جائت مجموعة من الناس من قريةٍ من القرى وكان فيها الرجال والنساء صحًّ أن يقال: (جاءت طائفة من القرية...) كما هو واضح. وما دام هذا التعميم واضحاً الآن ـ لغوياً ـ بحسب الاستعمالات الموجودة للكلمة في المجتمعات العربية، فلا بد وأن نحكم بأنَّه كان كذلك منذ عصر نزول الآية المباركة، لأنَّ هذا من الأصول الثابتة في كل اللغات أنَّ المعاني تسحب إلى العصور السابقة ما لم يثبت للفظ معنىً آخر في العصور الماضية، وعلى ذلك جرت سيرة جميع عقلاء العالم في جميع اللغات والثقافات والأمم وفي جميع العصور، ولا يمكننا الخوض في الجوانب العلمية للموضوع ـ لغوياً ـ بأكثر من هذا المقدار فعلا.

 
 
 
 
 

2009 جميع الحقوق محفوظة لدى مكتب الشيخ حسين النجاتي، تصميم وتطوير نيما

 

التقويم والأوقات الشرعية

|

مواقع مفيده

|

مزارات البحرين

|

إتصال بنا