الأحكام الشرعية » القضايا الاعتقادية (24 أسئلة)

 

السؤال: ما هو رأيكم في نظرية "وحدة الوجود" الفلسفية و هل يستلزم القول بها كفراً أو شركا، و ما هو الحكم بالنسبة إلى نظرية "وحدة الموجود" ؟

الجواب:

أما وحدة الوجود فالمقصود بها وحدة حقيقة الوجود و إن تعددت مراتبه قوة وضعفاً على ما ذكره جمع من الحكماء في الفلسفة و هذه النظرية حتى إذا قيل بها لا تستلزم كفراً و لا شركاً. نعم ربما يقول بعض الحكماء بــ ( وحدة الموجود) و هذه النظرية قد يتراءى منها أنها لا تنسجم مع مسلمات المعتقدات في التوحيد و الصفات الإلهية، و لكن مع ذلك إذا ذكر هذا المصطلح ( وحدة الموجود) في لسان أحد و سمع منه أو كتب انه يعتقد به فلا يمكن التسارع الى الحكم بكفره أو شركه قبل الوقوف التفصيلي على ما يريده منه بشكل دقيق، لأن هذا المصطلح يستخدمه جمع من الفلاسفة لكن مراداتهم التفصيلية منه مختلفة، و من هنا فلا يمكن الإستعجال في الحكم.

السؤال: هل صحيح ما يقال أن الأنبياء (عليهم السلام) لم يبعثوا إلا في شبه الجزيرة العربية؟ !

الجواب:

ذلك غير صحيح، وعلى سبيل المثال موسى بن عمران, وعيسى بن مريم (عليهما السلام) حيث أنهما لم يبعثا في شبه الجزيرة العربية قطعا, وكذلك غيرهما الكثير. وأساسا يكفي في بطلان الدعوى المذكورة عدم توفر المعلومات الكافية حول أماكن بعثة معظم الأنبياء(ع) بشكل دقيق, لا من خلال الوثائق التاريخية ولا من خلال الروايات المروية عن النبي (ص) وأهل بيته(ع), فكيف يتمكن شخص مع عدم توفر المعلومات والوثائق التاريخية المطلوبة من أن يطلق تلك الدعوى؟

السؤال: من المعروف أن عزرائيل (عليه السلام) يقبض روح الإنسان فمن يقبض روح الحيوان؟

الجواب:

ربما يستفاد من بعض الأخبار أن قابض الأرواح كلها (من أرواح بني آدم أو الحيوانات أو غيرهم) هو عزرائيل (عليه أفضل الصلاة والسلام)، وفيما يلي نذكر حديثين قد يمكن أن يستفاد منهما ذلك: 1- في حديث عن رسول الله (ص)، أنه قال: (يا أبا ذر، لما أُسري بي إلى السماء مَررتُ بملكٍ جالس على سرير من نور، على رأسه تاج من نور، إحدى رجليه في المشرق والأُخرى في المغرب، وبين يديه لوح ينظر فيه، والدنيا كلها بين عينيه، والخلقُ بين ركبتيه، ويدهُ تبلُغ المشرق والمغرب، فقلتُ: ياجبرئيل، من هذا؟ فما رأيتُ من ملائكة ربي جلَّ جلالهُ أعظَم خلقاً منه. قال: هذا عزرائيل ملك الموت، أُدْنُ فسلَّم عليه، فدنوتُ منه، فقلت: سلام عليك، حبيبي ملك الموت. فقال: وعليك السلام ياأحمد. ومافعل إبن عمك علي بن أبي طالب؟ فقلت: وهل تعرف إبن عمي؟ قال: وكيف لاأعرفهُ؟ فإن الله جلّ جلالهُ وكلني بقبض الأرواح ماخلا روحك وروح علي بن أبي طالب، فإنّ الله يتوفاكُما بمشيئته). (تفسير البرهان 6/ 197- نقلاً عن كتاب المناقب، لإبن شهر آشوب 2/236). فالمستفاد من جملة: (... فإن الله جلّ جلالهُ وكلني بقبض الأرواح ماخَلا روحَك وروح علي بن أبي طالب، فإن الله يتوفّاكما بمشيئته)، أن قابض الأرواح كلها - بتوكيل من الله جلّ جلالهُ- هو عزرائيل (عليه السلام)، وذلك لأن كلمة (الأرواح) يستفاد منها العموم. 2- ماروي عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: (حضر رسول الله (ص) رجُلاًَ من الأنصار، وكانت له حالة حسنة عند رسول الله (ص)، فحضره عند موته، فنظر إلى ملك الموت عند رأسه، فقال له رسول الله (ص): إرفق بصاحبي فإنه مؤمن. فقال له ملك الموت: يامحمد، طِب نفساً، وقر عيناً، فإني بكل مؤمن رفيق شفيق. وأعلم ـ يا محمد ـ أني لأحضُر ابن آدم عند قبض روحه، فإذا قبضتهُ صرخ صارخ من أهله عند ذلك، فأتنحى في جانب الدار ومعي روحه، فأقول لهم: والله ماظلمناه، ولاسبقنا به أجله، ولااستعجلنا به قدره، وما كان لنا في قبض روحه من ذنبٍ، فإن ترضوا بما صنع الله وتصبِروا تُؤجروا وتُحمدوا، وإن تجزعوا وتسخطوا تأثموا وتوزَروا، وما لكم عندنا من عُتبى، وإنّ لنا عندكم أيضاً لبقية وعودة، فالحذر الحذر، فما من أهل بيت مدرٍ ولا شعرٍ، في بر ولا بحرٍ، إلا وأنا أتصفحُهم في كل يوم خمس مرات عند مواقيت الصلاة، حتى لأنا أعلم منهم بأنفسهم، ولو أني ـ يا محمد ـ أردتُ قبض نفس بعوضةٍ ما قدرتُ على قبضها حتى يكون الله عزّ وجل هو الآمِرُ بقبضها، وإنّي لمُلقّن المؤمن عند موته شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وأنّ محمداً رسول الله (ص) ). (تفسير البرهان 6/196 ـ نقلاً عن الكافي 3/136 ح3) فالمستفاد من جملة: (...ولو أني ـ يا محمد ـ أردتُ قبض نفس بعوضةٍ ما قدرتُ على قبضها...)، أن قابض أرواح الحيوانات أيضاً هو عزرائيل (عليه السلام)، إذ لو لم يكن قبض أرواحها موكولاً إليه لما صحّت جملة: (...ولو أني ـ يا محمد ـ أردتُ قبض نفس بعوضةٍ)، فإنه إذا لم يكن ذلك من شأنه كلياً وكان الموكول بقبضها غيره (عليه السلام) لما صحّ صدور هذه الجملة منه (عليه السلام). لكن قال العلامة المجلسي (ره) بعد ذكر هذا الخبر: (أستدل بهذا الخبر على أن القابض لأرواح غير الإنسان من الحيوانات أيضاً هو ملك الموت (عليه السلام)، وفيه نظر) (بحار الأنوار 6/170). ولعل تأمل العلامة المجلسي (ره) ناتج عن أنه يرى أن جملة :(...ولو أني ـ يا محمد ـ أردتُ قبض نفس بعوضةٍ...) في الخبر المذكور لا تدل على أن ملك الموت – الذي هو عزرائيل عليه السلام – هو الذي يقبض بالفعل أرواح الحيوانات، وإنما أراد الملك أن يبين أن كل شيء- حتى قبض روح البعوضة - متوقف على إذن الله تعالى، ولا يستفاد من كلامه (ع) أنه هو القابض لروح البعوضة بالفعل. لكن الجواب: أن ذكر هذا المعنى في كلامه (ع)قد يكون له دلالة عرفية على أنه هو القابض روحها، وإلا لو لم يكن ذلك من شأنه أصلاً لما صح عرفاً ذكر هذا المثال في كلامه (ع) لبيان أن كل شيء متوقف على أمر الله. لكن الصحيح أن نقول: أن الإفادة الواردة في الجملة المذكورة لا تبلغ مستوى الدلالة العرفية، نعم الجملة لا تخلو عن إشعار قوي بالمفاد المذكور. وعلى كل حال من مجموع الحديثين قد يمكن أن نستفيد منهما أن القابض هو عزرائيل (ع)، نعم الخبر الأول ضعيف سنداً فلا يمكن الإعتماد عليه، وأما الخبر الثاني فسنده لا يخلو عن قوة وإن كانت دلالته لا تخلو عن ضعف كما أوضحناه، ولكن قد يكون هناك متسع – من خلال مجموع الحديثين- للإطمئنان بنتيجة أن قابض أرواح الإنسان وغير الإنسان من الحيوانات وغيرها هو عزرائيل (عليه السلام). هذا ما أمكن تسجيله جواباً على السؤال المذكور عاجلاً، والأمر يحتاج إلى تتبع وبحث أوسع لا يتسع له المجال فعلاً.

السؤال: هل يصح القول بأن سيدتنا فاطمة الزهراء (ع) خارجة عن مستوى المرأة العادية, وأنه لا يوجد دليل قطعي على خروجها عن ذلك المستوى؟

الجواب:

هذا القول غير صحيح قطعاً، وذلك لكون الزهراء (عليها السلام) حوراء أنسية وقد امتلئت الدنيا والأرض والسماء وكتب السنة والشيعة بـ آلاف الأحاديث الواردة في فضلها وبيان مقاماتها وكراماتها وتميزها على جميع نساء العالم، أحاديث تنبهر منها العقول وتعجز الأفهام عن الوصول إلى عمق معانيها، فـ حقاً يمكن القول: (فاطمة وما أدراك ما فاطمة)، وإليكم اشارة إلى قطرة من بحر الأحاديث الكثيرة الواردة في فضلها: 1- قد جاء في أحاديث كثيرة أنها (ع) خلقت نطفتها من ثمر الجنة، ومن جملة ذلك ما جاء في حديث الإمام الرضا (ع) أنه قال: قال النبي (ص): (لما عُرج بي إلى السماء أخذ بيدي جبرئيل (ع), فأدخلني الجنة فناولني من رطبها فأكلته فتحول ذلك نطفةً في صلبي فلما هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة (عليها السلام) فـ فاطمة حوراء أنسية فكلما اشتقت إلى رائحة الجنة شممت رائحة ابنتي فاطمة). (بحار الأنوار43/4). 2- وجاء في حديث أبي عبد الله عن آبائه (ع)، قال: قال رسول الله (ص): (خلق نور فاطمة (ع) قبل أن يخلق الأرض والسماء). فقال بعض الناس: يا نبي الله فليست هي إنسية؟ فقال: (فاطمة حوراء إنسية). قالوا: يانبي الله وكيف هي حوراء إنسية؟ قال: (خلقها الله عز وجل من نوره قبل أن يخلق آدم، إذ كانت الأرواح، فلما خلق الله عز وجل آدم عُرضت على آدم ...). (بحار الأنوار43/4). وهي الطاهرة المطهرة والتي يرضى الله تعالى لرضاها ويغضب لغضبها، ولا يمكن التفكيك بين شخيصتها الذاتية وبين ما أفاض الله تعالى عليها من الكمالات والفضائل، فهي مقدسة ومعصومة ومطهرة، ولا إثنينة بين ذاتها وكمالاتها الربانية. ومن كانت هذه صفاتها فكيف وكيف وكيف وكيف تكون إمرأة عادية؟! هذا إذا أريد بما جاء في السؤال إنكار تميزها على سائر نساء العالم في الفضل والكمال والعناية الربانية الخاصة والمقامات المعنوية والروحية العليا وما إلى ذلك من علو المقام الرباني والشموخ الروحي، وأما إذا أريد مما جاء في السؤال شيء آخر فليطرح بشكل واضح حتى نقيم مدى صحته، وحتى لا تتضلل الأفهام بعبارات غير شفافة وألفاظ غير واضحة، وحتى لا تتهيء الأرضية لمن يريدون الإصطياد في الماء العكر.

السؤال: ما هو رأي سماحتكم في صحة أو عدم صحة زيارة عاشوراء؟

الجواب:

لا ينبغي التشكيك في صحة زيارة عاشوراء.

السؤال: إذا كان رأيكم بأن هذه الزيارة صحيحة فما هو رأي سماحتكم في من ينكر صحتها؟

الجواب:

إذا كان الإنكار عن جهل - قصوري لا تقصيري - من المنكر بواقع الأمر فلا يترتب على ذلك شيء، ومن نصيحة المؤمن لأخيه المؤمن أن يرشد المنكر إلى الكتب والعلماء الذين يتمكنون من إثبات صحة الزيارة.

السؤال: ما رأيكم في كتاب (الملحمة الحسينية) المنسوب للشهيد المطهري (ره)، وفي من يكرس كل جهده لنشر الأفكار المطروحة فيه في شهر محرم الحرام من كل سنة؟

الجواب:

1- الظاهر أن الكتاب المذكور عبارة عن مجموعة من المحاضرات للمرحوم الشهيد المطهري (رحمه الله تعالى) وإن كان ليس لنا تأكد شخصي من مدى دقة تنزيل المحاضرات من الأشرطة ومدى دقة الترجمة من الفارسية إلى العربية. 2- لا يمكننا الحكم بصحة جميع الأفكار الواردة في الكتاب المذكور، فقد تكون فيه نقاط غير قابلة للقبول، والأمر يحتاج إلى نقد وتمحيص. لكن لا شك في أن الكتاب يشتمل على مباحث جيدة، إلاّ أن المشكلة إحتمال إشتماله أيضاً على ما لا يصح ممّا يستدعي النقد والفحص الدقيقين له. 3- بل لا يمكن أن نطمئن بأن نفس الشهيد المطهري (ره) أيضاً كان يؤمن عند شهادته بجميع الأفكار المطروحة في تلك المحاضرات، لأنه قد ألقى تلك المحاضرات في أزمنة متباعدة ولعله تراجع عن بعض أفكار تلك المحاضرات. ومن المعلوم أن تلك المحاضرات لم يتم تدوينها ونشرها تحت إشرافه (ره) لأنه حصل بعد شهادته، فلا يمكن الإطمئنان برضاه وتبنيه لجميع الأفكار المطروحة فيها كما أسلفنا، ولا شك في أنه لو كانت تدون وتنشر تحت نظره (ره) لكان يغير فيها الشيء الكثير، كما هو شأن العلماء من بذل مزيد من التدقيق في مرحلة التدوين والنشر مماّ يجرهم عادتهم إلى تغيير مجموعة من الأفكار. الخلاصة: أننا لا يمكننا الحكم بصحة جميع ما جاء في الكتاب المذكور، وإن كان فيه فوائد كثيرة جدّاً لكنه يحتاج إلى نقد وتمحيص. كما لا يمكننا الإطمئنان بأن المرحوم عند شهادته كان يؤمن بجميع أفكار تلك المحاضرات ولعله تراجع عن قسم منها. والله العالم.

السؤال: ما هو واجبنا في زمن الغيبة الكبرى للإمام صاحب العصر والزمان (صلوات الله عليه)؟

الجواب:

الواجبات كثيرة، ومن أهمها: 1- الاهتمام بالتقوى وتربية النفس على طاعة الله تعالى والالتزام بالواجبات وترك المحرمات. ومن الأركان الأساسية في ذلك العبادة والصلاة والإكثار منها، والتوجه لله سبحانه وتعالى بالدعاء, ذلك لأنّ بناء العلاقة القوية مع الله تعالى يجب أن يمثّل حجر الزاوية في جميع أنشطتنا في مجالات الحياة المختلفة. 2- من الضروري أن تكون الرؤية الفقهية هي الحاكمة على جميع تصرفاتنا العبادية وغيرها، بأن نتعلم الأحكام الشرعية, ذلك لأن الجهل بها ضرر فادح يؤثر تأثيراً سلبياً كبيراً على جميع التزاماتنا الإسلامية والدينية, فلابدّ وأن نرفع الجهل ونسعى للتفقه في الدين بكل ما أمكننا من وقت وجهد. 3- تعميق معرفتنا بـ النبي وأهل البيت (عليهم السلام) وتقوية العلاقة معهم والتعلق بهم, لأنهم أحد الثقلين الذَين من تمسك بهما لن يضل أبداً, وذلك من خلال الوقوف على مناقبهم وفضائلهم ومقاماتهم وكراماتهم, ومن خلال زيارتهم والمواظبة على ذلك بشكل مستمر ودائم. 4- الحفاظ على اللبنة الأولى في المجتمع، وهي الأسرة التي منها ينطلق البناء وتصاغ النفوس صياغة صحيحة، ومن هنا جاءت ضرورة الاختيار السليم لأركان الأسرة (الزوج والزوجة)، وجاءت ضرورة التربية السليمة للأولاد والبنات تربية متوافقة مع الشرع الشريف، وضرورة الارتباط الوثيق بالأرحام والتواصل بينهم وعدم التقاطع، لما فيه من ضرر فادح يسبّب الجفاف في العلاقات الإجتماعية مما يؤدي إلى الافتراق والقطيعة وعدم الانضباط الاجتماعي والمشاكل الكبرى وتفكك الاُسر. 5- أن نحافظ على وحدة المجتمع مهما كانت وجهات النظر مختلفة، بحيث يكون من هواجسنا المهمة عدم التفرق وإقامة العلاقات السليمة والوثيقة القائمة على النظرة الصحيحة التي تُرضي الله تعالى ويكون فيها الخير والمصلحة للناس والمجتمع والدين. 6- الاهتمام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن النكر, لأن ذلك هو الضمان الأساسي لإصلاح المجتمع وعدم تفشي الفساد فيه, وهو الضمان الأساسي لمحافظة الناس على التزامهم الديني وعدم انجرارهم إلى مهاوي الفسق والفجور ومطبات الفساد ومصائد الشيطان.

السؤال: من الذي أسس الدولة الإسلامية ؟ هل هو علي بن أبي طالب (ع)؟

الجواب:

أول من أسس الدولة الإسلامية هو النبي محمد بن عبد الله (ص) نبي الإسلام, وسيكون التطبيق التام لدولة الإسلام على يد إمام العصر والزمان الحجة المنتظر (عج).

السؤال: استمعت إلى مقطعٍ صوتيٍ أعتقد أنه كان لمولد الإمام علي (عليه السلام), وكان الرادود يقول: (علي علي علي علي, وبقل هو الله أحد خصك الباري تعالى، يا قل هو الله أحد, ولم يكن يا حيدر غيرك للنبي كفؤاً أحد). هل يجوز أن يقال مثل هذا الكلام في حق عليٍ (ع), وألا يوجد في إطلاق مثل هذا الكلام ضرراً على الدين؟

الجواب:

إذا كان مقصود ذلك الرادود من هذه العبارة أنه لا يوجد في أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أحدٌ بمنزلة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) من حيث كونه أقرب الناس إلى رسول الله (ص) في صفاته ومعرفته بالله وإيمانه ومنزلته وعظمته - ولا شك أن الإمام (ع) كان كذلك - فهو مطلبٌ صحيحٌ. ولكن يجب الالتفات إلى أن التعبير عن هذه المعتقدات الحقّة يجب أن لا يكون بالألفاظ والتعابير التي قد يُساء فهمها وتفسيرها، ويجب أن لا تكون موجبةً لتشويه المذهب، أو موجبةً لإثارة الشبهات حول المذهب والمعتقدات الحقّة.

السؤال: لقد قمت بزيارة بعض المنتديات التي يسمح فيها بالحوار المفتوح, ورأيت فيها بعض المواضيع والصور الكاذبة التي تهين الشيعة وأهل البيت (عليهم السلام), ورأيت أيضاً بعض ردود الشيعة للدفاع عن المذهب, فقمت أنا أيضاً بالدفاع لأنني أحسست بأن ذلك واجبٌ عليّ، فهل يعتبر عملي هذا صحيحاً أو لا؟

الجواب:

إذا كنت قادراً على الدفاع عن مذهب أهل البيت (عليهم السلام) بالصورة المشرقة والمشرّفة والمنطقية والتي تعتمد أسلوب الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن ومعرفة أحسن الردود والأجوبة فإن ذلك أمرٌ مهمٌ ومحبوبٌ شرعاً بل قد يكون واجباً.

السؤال: هل زواج المتعة ( الزواج المنقطع ) حلال أم حرام ؟

الجواب:

نعم حلال ، و قد كان دارجاً في عصر رسول الله ( ص ) و كان أصحاب رسول الله ( ص ) يفعلونه ، و لم ينسخ هذا الحكم الشرعي من ناحية النبي ( ص ) ، و قد أكد أئمة أهل البيت (عليهم السلام) على حليته إلى يوم القيامة

السؤال: ما هو رأيكم في نظرية (وحدة الوجود) الفلسفية و هل يستلزم القول بها كفراً أو شركا، و ما هو الحكم بالنسبة إلى نظرية (وحدة الموجود) ؟

الجواب:

أما وحدة الوجود فالمقصود بها وحدة حقيقة الوجود و إن تعددت مراتبه قوة وضعفاً على ما ذكره جمع من الحكماء في الفلسفة، و هذه النظرية حتى إذا قيل بها لا تستلزم كفراً و لا شركاً. نعم ربما يقول بعض الحكماء بـ ( وحدة الموجود) و هذه النظرية قد يتراءى منها أنها لا تنسجم مع المسلمات الإعتقادية في التوحيد و الصفات الإلهية ، و لكن مع ذلك إذا ذكر هذا المصطلح ( وحدة الموجود) في لسان أحد و سمع منه أو كتب أنه يعتقد به فلا يمكن التسارع إلى الحكم بكفره أو شركه قبل الوقوف التفصيلي على ما يريده منه بشكل دقيق، لأن هذا المصطلح يستخدمه جمع من الفلاسفة لكن مراداتهم التفصيلية منه مختلفة، و من هنا فلا يمكن الإستعجال في الحكم .

السؤال: إذا حصل لي العلم أو الإطمئنان بصحة ودقة الحسابات الفلكية، وأخبر الفلكي الثقة بأن الهلال بالإمكان رؤيته، فهل يجوز التعويل عليه؟

الجواب:

ليس المناط في ثبوت الهلال بإخبار الفلكي بذلك، وإن كان دقيقاً في إخباره، وإنما المناط هو رؤية الهلال فعلياً، ومع عدم الرؤية فعلى الأقل الإطمئنان بوجود الهلال في الأفق بدرجة من الوضوح بحيث لو كان الأفق خالياً عن الموانع - كالغبار والبخار وغيرهما – واستهل الإنسان المتعارف في قوة نظره لرآه، فإذا حصل هذا الاطمئنان – ولو من إخبار الفلكي الدقيق الخبير مع عدم المعارض لقوله من قول فلكي آخر – لكفى في ثبوت الهلال.

السؤال: هل صحيح ما يقال أن الأنبياء (عليهم السلام) لم يبعثوا إلا في شبه الجزيرة العربية؟

الجواب:

ذلك غير صحيح، وعلى سبيل المثال موسى بن عمران, وعيسى بن مريم (عليهما السلام) حيث أنهما لم يبعثا في شبه الجزيرة العربية قطعا, وكذلك غيرهما الكثير. وأساسا يكفي في بطلان الدعوى المذكورة عدم توفر المعلومات الكافية حول أماكن بعثة معظم الأنبياء(ع) بشكل دقيق, لا من خلال الوثائق التاريخية ولا من خلال الروايات المروية عن النبي (ص) وأهل بيته(ع), فكيف يتمكن شخص مع عدم توفر المعلومات والوثائق التاريخية المطلوبة من أن يطلق تلك الدعوى؟!

السؤال: جاء في خطبة الجمعة رقم (194) ـ المنشور في (الحكمة) 101 ـ والتي تحدثتم فيها عن شدّ الرحال إلى زيارة الإمام الحسين وباقي أهل البيت (عليهم السلام)، الاستشهاد بحديث صفوان الجمال عن الإمام الصادق (عليه السلام)، والذي قال فيه عن زيارة الإمام الحسين (ع): (وكيف لا أزوره! والله يزوره في كل ليلة جمعةٍ يهبط مع الملائكة إليه والأنبياء والأوصياء، ومحمدٌ أفضل الأنبياء، ونحن أفضل الأوصياء...). والسؤال: أنّه ألا يستلزم قوله (ع): (يهبط مع الملائكة إليه..) التجسيم لله تعالى، وهو مّما يخالف ضرورة ما ثبت عن مذهب أهل البيت (ع) من نفي التجسيم لله تعالى، وبناءً على ذلك هل يصح الاستدلال بهذا الحديث الذي يستلزم التجسيم لله تعالى لإثبات وجود حثًّ من أهل البيت (ع) على زيارة الحسين (ع) وشدّ الرحال إليه؟

الجواب:

إنّ كُلّ حديث يُروى عن أئمة أهل البيت (ع) لا يصح فهمه بمفرده ومع قطع النظر عن بقية أحاديثهم، بل يجب فهمه على ضوء ومع لحاظ بقية رواياتهم ومسلمات عقائدهم، ومنها نفي التجسيم عنه تعالى، فإذا جاء في شيءٍ من الأحاديث ما يتنافى بظاهره مع أصلٍ مسلمٍ من أصولهم فلا بدَّ من تأويل وتفسير ذلك الظاهر بما ينسجم مع أصولهم المسلمة وبقية أحاديثهم. وبناءٍ عليه فالمقصود بالفقرة الواردة في الحديث الشريف المستشهد به، من نزول الله تعالى وهبوطه في كل ليلة جمعةٍ هو: حصول مزيدٍ من التوجه والعناية الربانية إلى قبر الحسين (ع) ومرقده الشريف في ليالي الجمعة، وإن كانت عنايته إلى قبره حاصلةٌ بشكلٍ دائمٍ ومستمر وفي كل زمان، فما جاء في هذا الحديث الشريف نظيرٌ لقوله تعالى: 1- (يد الله فوق أيديهم). (الفتح/10). 2- (وجاء ربُك والملك صفاً صفّاً). (الفجر/22). 3- (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى). (الأنفال/17). حيث إنّ في هذه الآيات الثلاث ـ وأمثالها ـ نسبت أمورٌ إلى الهإ تعالى تستلزم التجسيم، كثبوت اليدِ له، ومجيئه مع الملائكة، والرمي..، مع أنَّه لا شك في أنَّ المقصود بهذه المضامين ليس ما يستلزم التجسيم، بل المقصود باليد: هو القوة والقدرة الإلهية، أو كأنه جعل يد النبي (ص) حين البيعة بمثابة يد الله تعالى، أو غير ذلك. والمقصود بالمجيء: إنّ التسديد في الإصابة كان بعنايةٍ وتوجيهٍ ولطفٍ إلهيٍ خاص. وذلك كله لأنه لا بدَّ من إرجاع ظواهر هذه الآيات إلى قوله تعالى: (ليس كمثله شيءٌ)، (الشورى/11) وإلى المسلمات الثابتة بالأدلة العقلية في صفات الله تعالى، ومع الإرجاع يظهر أن اليد والمجيء والرمي.. ليس بمعنى اليد المتعارفة، أو الانتقال من مكانٍ إلى مكان آخر، أو الرمي بالمعنى الذي نجده في عالم المادة، وإنمّا المقصود معناً آخر على ما تقدم بيانه،. وقد ورد في الحديث عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنّه قال: (من ردَّ متشابه القرآن إلى محكمه فقد هُدِي إلى صراطٍ مستقيم). ثم قال: (عليه السلام): (إنّ في أخبارنا محكماً كمحكم القرآن، ومتشابهاً كمتشابه القرآن، فردُّوا متشابهها إلى محكمها، ولا تتبعوا متشابهها دون محكمها فتضلوا). (وسائل الشيعة27/115). فكما وجب فهم تلكم الآيات في ضوء بقية الآيات والأصول المسلَّمة القاضية بنفي التجسيم عنه تعالى، كذلك يجب فهم ذلك الحديث في ضوء تلك الأصول وبقية أحاديثهم القاضية بنفي التجسيم عنه تعالى أيضاً، لا نفي صحة ذلك الحديث، كما لا مجال لنفي صحة تلك الآيات.

السؤال: أنا سيدةٌ جعفرية المذهب، تربّيت بين المآتم والحسينيات، وعلى الاعتزاز بكوني من أتباع مذهب آل البيت (ع)، والتوسل بهم في الضيق، والاعتقاد بالإمام القائم (ع). وقد قمت بزيارة (مسجد جمكران) غير مرة، إلاّ أنه ومنذ حوالي خمس سنوات بدأت الشكوك تدخل قلبي وتهزّ الاعتقاد بالتوسل بهم في مشاكلي، أخذاً في الاعتبار قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)(1). وأخذت أسأل نفسي: إذا كان الأئمة (ع) يستطيعون مساعدتنا في المصائب وشفاء مرضانا، فلماذا لا يستطيعون حماية أنفسهم ومداواة جروحهم؟! وبدأت أفقد الاعتقاد بإمام الزمان ووجوده أيضا، ولا أستطيع التوسل بهم كما كنت! أعلم علم اليقين بأنّهم لا يحتاجون ولائي إلا أنّني لا أريد الضلالة، فإذا كان مذهبنا على صوابٍ، أرجو مساعدتي بتنمية الاعتقاد لدي مجددا.

الجواب:

يجب علينا بدايةً: أن نثمن الأسلوب الذي سلكته في معالجة الشك من خلال السؤال والفحص، وعدم الاستبداد بتكوين قناعةٍ جديدةٍ في الأمر دون التتبع والدراسة. ثم أنّ ملاحظة السؤال تدل على أن موضوع الشبهة هو: (التوسل بهم في قضاء الحوائج وشفاء المرضى...)، وقد استندت ِ الشبهة إلى نقطتين: النقطة الأولى: إنّ التوسل بهم في الأمور يتنافى مع أمر الله تعالى إيانا بالتوجه إليه بالدعاء مباشرة. وبيانه: إنّه قريبٌ يجيب دعوة الداعِ، في قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) مما ينفي الحاجة إلى التوسل بغيره، ومع عدم الحاجة فكيف يمكن أن يكون التوسل بما لا حاجة إليه صحيحا؟ النقطة الثانية: إنَّ الأئمة (ع) لو كان يمكنهم فعلُ شيءٍ للمتوسلين بهم لأفادوا وحموا أنفسهم، وداووا جروحهم، ومع هذا فكيف يصح التوسل بهم، أليس هو من قبيل التوسل بالعاجز؟ وقبل البدء بالجواب عن النقطتين يجب أن نوضح: أن التوسل له أقسام، ومن جملتها قسمان: 1- أن نطلب منهم شفاء مرضانا، وحلّ مشاكلنا، وقضاء حوائجنا.. 2- أن نقسم على الله تعالى بحقهم وقدرهم عنده أن يقضي حوائجنا... والفرق بين الاثنين إنّ في الثاني لا نطلب منهم شيئاً مطلقا، بينما في الأول نطلب منهم شيئا. لكن يبدو من السؤال أنّ نوع التوسل المقصود بالسؤال هنا هو الأول، أي أن نطلب من الأئمة (ع) أن يقضوا حوائجنا ويحلّوا مشاكلنا، لذا سنركّز حديثنا ومعالجتنا على هذا القسم. ويجب أن يتضح: إنّ حقيقة التوسل ـ الذي نعتقد به في هذا القسم ـ ليست بمعنى أنّنا نطلب منهم أن يدفعوا هم بأنفسهم عنّا البلاء، أو يّشفوا هم بأنفسهم مرضانا أو ... وإنما حقيقته: إنّنا نطلب منهم أن يدعوا لنا عند الله بأن يشفي مرضانا أو...، ثم أنّ الله تعالى هو الذي يشفي، وهو الذي يدفع البلاء، وهو الذي... فالشافي والمعين و... هو الله تعالى، وليس الأئمة (ع). وبعد هذا التوضيح نجيب عن النقطة الأولى: أولا: إنّ آية (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ). وإن كانت تحث على أن نتوجه إلى ذات الله تعالى بحوائجنا، لكن هل أنّ من يتوسل بالأئمة (ع) في حاجةٍ من حوائجه لا يطلب تلك الحاجة مباشرةً من الله تعالى، وإنّما يقتصر ويكتفي بطلبها من الله عبر الإمام (ع) فقط، أي أنّه يكتفي أن يسأل من الإمام أن يطلب ذلك له من الله، لكنه من ناحية نفسه لا يطلب ذلك من الله مباشرة؟!، أم أنّ الواقع هو أنّ صاحب الحاجة المتوسل بهم يقوم بأمرين تحقيقاً لقضاء حاجته: 1- طلب ذلك مباشرةً من الله. 2- والسؤال من الإمام (ع) بأن يطلب ذلك له من الله تعالى. فيضم الثاني إلى الأول لتأكيد قضاء حاجته؟ ما هو واقع الحال؟ الجواب: إنّ المؤمن بربه وعلمه بعباده وحوائجهم، وحكمته ولطفه بهم، وقدرته على كل شيء، وعلى قضاء حوائجهم، لا يمكن أن يقتصر على الطلب غير المباشر إذا كان صاحبَ حاجةٍ واقعاً ومؤمناً بما مضى من صفات الله تعالى، ولا يمكن أن يفقد الأمل في تأثير دعائه المباشر في استجلاب لطف الله إليه، فلا محالة لا يقتصر على الطلب غير المباشر، بل يجمع بين الأمرين والطلبين لتأكيد قضاء حاجته. وهذا هو ما نؤمن به من التوسل في مذهب أهل البيت (ع)، أي أنّ التوسل عبارةٌ أن يضُم صاحب الحاجة دعاء الإمام المعصوم إلى دعاء نفسه، لا أن يقتصر على دعاء الإمام (ع). وإذا كان هذا هو التوسل عندنا، فالمُتوسل لا يفعل ما يخالف مقتضى قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)، لأنّ الآية تدعوه إلى السؤال وطلب الحاجة من الله، وهذا ما يفعله المتوسل غير أنّه يضم إلى دعاء نفسه دعاء غيره أيضاً تأكيداً لقضاء الحاجة، أي يضمّ دعاء المقربين من الله أكثر منه إلى دعاء نفسه لضمان الإجابة. ولا يمكن لأحدٍ أن يشكك في أنّه كلما كان العبد أقرب إلى الله تعالى كان دعاؤه أقرب إلى الإجابة، فإذا ضمّ الإنسانُ دعاءَ غيره ـ ممّن هو أقربُ إلى الله ـ إلى دعاء نفسه لتأكيد الاستجابة فما هي المخالفة في ذلك للآية؟! فحقيقة التوسل هذه عبارةٌ عن: إخراج الدعاء لطلب الحاجة من كونه دعاءً فردياً إلى كونه دعاءً جماعياً مشتركاً بين صاحب الحاجة والنبي (ص) أو الإمام (ع) المتوسل به. وإذا اتضحت هذه الحقيقة، فهل دعاء الإنسان لحاجاته مشفوعاً بدعاء المعصوم يتناقض مع ما أمرت به الآية من توجه الإنسان ذي الحاجة إلى الله تعالى بحوائجه! إذا كان متناقضاً فمعنى ذلك أنّه لا يصحّ أن ندعو ـ مثلاً ـ لباقي المسلمين في البلاد المختلفة بأن يفرّج الله تعالى عنهم، مع أن سيرة جميع المسلمين من جميع المذاهب جاريةٌ على الدعاء لإخوانهم، ولا يرون في ذلك تناقضاً مع الآية، بل يرون الدعاء من واجباتهم الإسلامية، من باب العمل بما دلّ عليه الحديث الشريف من أنّ من واجبات المسلم الاهتمام بأمور باقي المسلمين ومشاكلهم وأحزانهم.. ثانياً: لا شك أنّ في زمان حياة رسول الله (ص) كان المسلمون يرجعون إليه ويطلبون منه أن يدعوَ لهم بقضاء حوائجهم وشفاء مرضاهم و...، وقد اشتملت كتبُ أحاديث الشيعة والسنة والسيرة على نقل مئات من هذه الوقائع، فلماذا لم يقل الرسول (ص) لهم: (لا تطلبوا منّي الدعاء، إذ التوسل بي غير صحيح، وادعوا الله تعالى مباشرة، لأنّ الله تعالى يقول: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)؟ ألم يكن الرسول (ص) عالماً بوجود هذه الآية في القرآن. ألم يكن واعياً لمعناها والمقصود بها، وهو الذي نزل عليه القرآن ليبلغه إلى الناس؟! أليس عدم ردّ الرسول (ص) عليهم بذلك، دليلاً على أنّ مضمون الآية لا ينفي صحة التوسل، ولذا كانوا يتوسلون به، وهو كان يدعو لهم؟ ولو كان دعاءُ الرسول لا ينفعهم في حل مشاكلهم لردّهم ولم يدعُ لهم، ولقال لهم توجّهوا إلى الله مباشرة. ومن جملة القضايا المنقولة في كتب الحديث لتوسل الناس برسول الله (ص) في حوائجهم، ما جاء في كتاب (صحيح البخاري) عن أنس بن مالك قال: (أصابت الناس سنةٌ على عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) فبينما النبي (صلى الله عليه وسلم) يخطب في يوم الجمعة، قام أعرابي فقال: يا رسول الله، هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع يديه وما نرى في السماء قزعة، فهو الذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته (صلى الله عليه وسلم)، فمطرنا يومنا ذلك ومن الغد وبعد الغد والذي يليه حتى الجمعة الأخرى. وقام ذلك الأعرابي ـ أو قال غيره ـ فقال: يا رسول الله، تهدّم البناء، وغرق المال، فادعُ الله لنا، فرفع يده فقال: (اللهم حوالينا، ولا علينا). فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت، وصارت المدينة مثل الجوبة، وسال الوادي قناةً شهرا، ولم يجيء أحدٌ من ناحية إلا حدّث بالجود(2). والشاهد الآخر قوله تعالى في القرآن الكريم: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا) (النساء/64).(3) حيث تدل الآية بشكلٍ واضحٍ على صحة أن يطلب المسلم من الرسول أن يستغفر له، وأنّ الرسول سيستغفر ويُستجابُ له، وليس طلب الاستغفار إلا طلباً لحاجة، وهي أن يغفر الله تعالى لمن يسأل ذلك. وهناك آياتٌ أخرى أيضاً في القرآن من هذا القبيل. وهكذا كان أئمة أهل البيت (ع) أيضاً، حيث إنّ أصحابهم كانوا يرجعون إليهم ويطلبون منهم الدعاء لهم لقضاء الحوائج، فكانوا يدعون لهم، ولا يقولون لهم بأنّ طلب الحاجة من غير ذي الحاجة يتنافى مع الآية المباركة. هل كانوا يجهلون وجود الآية، أم كانوا يجهلون معناها؟! والنتيجة: إنّ تلك السيرة المباركة للرسول والأئمة من أهل بيته (ع) دليلٌ على تأثير دعاء الأنبياء والأئمة (ع) والصالحين في حق الآخرين، وأن لا منافاة بين ذلك والآية القرآنية. وأما الجواب عن النقطة الثانية: أولاً: لننظر إلى رسول الله (ص) فإنّ سيرته معيارُ الحق والصواب، فالباحث يجد أنّه (ص) ـ كعامة الناس ـ كان في حياته مبتلىً بآلام ومشاكل كثيرةٍ، مع الكفار والمشركين والمنافقين، حتى من قرابته، بل جُرِح في حروبه ومعاركه مع المشركين، واستشهد أقاربه وأصحابه، وظُلم بأنواع الظلم من التخويف، والتجويع، والسبّ، والمحاصرة، وقتل الأقارب، والتمثيل بعمّه حمزة سيد الشهداء (عليه السلام) بعد القتل، وهذه كلها آلامٌ ومصائب، ومع ذلك كان أصحابه يرجعون إليه ويطلبون منه الدعاء لقضاء حوائجهم، وكان يدعو لهم ويُستجاب دعاؤه، وما كان يقول لهم: (أنا لا أستطيع حماية نفسي ومداواة جروحي فكيف تطلبون مني الدعاء لكم)؟ ممّا يكشف عن أنّ كون الإنسان مبتلىً في نفسه لا يدلّ على عدم صحة التوسل به وعدم أهليته لاستجابة دعائه، ولا يمنع من صحة طلب الآخرين منه الدعاء. إذا لم يكن الرسول (ص) أهلاً لأن يستجاب دعاؤه فمن هو الأهل، وهو سيد الخلق وأفضلهم، ولم يخلق الله تعالى خلقاً أفضلَ منه؟ ولكن مع أهليته واستجابة دعائه لمن كان يطلب منه الدعاء، كان مبتلىً بالمصائب الكثيرة والمتنوعة، فلا علاقة بين أهلية الشخص للتوسل به وبين كونه مبتلىً بالآلام والمصائب. وكذلك الأمر في الأئمة (ع) والتوسل بهم، فكونهم مبتلين بالشدائد والمصائب والآلام لا يستلزمُ عدم صحة التوسل بهم وعدم استجابة دعائهم في حقّ غيرهم. ثانيا: إنّ الابتلاء بالمصائب والآلام والجروح لا يدل على منقصةٍ في الشخص وقلة قيمته عند الله تعالى، وإلاّ فكيف نفسّر الأمر في شخصية الرسول (ص)، هل كانت ابتلا آته ومصائبه لقلة قيمته عند الله وهوانه عليه وعدم لطفه به وعنايته له؟! وكذلك في مصائب الأنبياء الماضين وابتلا آتهم، وهي كثيرةٌُ جداً، وقصصهم معروفة، من حرق إبراهيم، وقتل يحيى، وسجن يوسف، وابتلاع الحوت لـ يونس، ومرض أيوب، وفقد يعقوب ليوسف وأخيه .. (عليهم السلام). بل الابتلاء بالمصائب في الأنبياء والأئمة والأولياء (ع) له فلسفاتٌ وحكم كثيرة، لا يسع التعرض لها هنا، لكن نذكر جملةٌ من تلك الحكم: 1- إنّ ابتلاء الأنبياء والأئمة والأولياء (ع) بالمصائب يعلّم الناس أنّ ابتلاء الأشخاص بالبلايا لا يدلّ على بعدهم عن الله تعالى وقلة قيمتهم عنده سبحانه، ويمنع من أن يُعيّر أصحاب المصائب من قِبل غيرهم بأنّهم: (لا قيمة لهم عند الله ولا خطر، وإلاّ لما ابتُلوا بالبلاء). وقد كشفت زينب (سلام الله تعالى عليها) عن هذا الأمر في خطبتها في مجلس يزيد حيث قالت: (.. أظننت يا يزيد، حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، وأصحبنا نساق كما تساق الأسارى، أنّ بنا على الله هواناً وبك عليه كرامة؟ وأن ذلك لعظم خطرك عنده؟!)(4). وعن عبد الرحمن بن الحجاج قال: ذُكر عند أبي عبد الله (عليه السلام) البلاء وما يخصُ الله عزّ وجلّ به المؤمن؟ فقال: (سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أشدُ الناس بلاءً في الدنيا؟ فقال: النبيّون ثم الأمثل فالأمثل، ويُبتلى المؤمن بعدُ على قدر إيمانه وحسن أعماله، فمن صحّ إيمانه وحسن عمله اشتدّ بلاؤه، من سخف إيمانه وضعف عمله قلّ بلاؤه)(5). 2- أنّه يبعث على مزيدٍ من التقرب لهم إلى الله، من حيث أنّه يهيئ أسباب مزيدٍ من اللجوء إلى الله تعالى، والصبر على قضائه وحكمه، والحصول على أجر ذلك الصبر وثوابه. قال الإمام الحسين (ع): (رضى الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه، ويوفينا أجور الصابرين)(6). وقد تسأل: ألا يمكن لله أن يعطيهم ذلك الثواب والأجر دون تحملهم لتلك البلايا..؟ الجواب: يمكن، لكنّ الله أراد أن يعلّم عباده أنّ بقدر السعي والعمل يكون الأجر، حتى يتنافسوا بذلك في الخيرات والبر والإحسان والصلاح والإصلاح، ويعلّمهم أنّه لا يفرق بين عباده فيعطي أحدهم الأجر بلا عمل، ولا يعطي الآخر إلاّ بعمل. ولذا قال رسول الله (ص) لسبطه الحسين (ع) في الرؤيا التي رءاها على قبره قبل خروجه من المدينة إلى مكة: (.. وإن لك في الجنان لدرجاتٍ لن تنالها إلاّ بالشهادة). قال: (فجعل الحسين (عليه السلام) في منامه ينظر إلى جده ويقول: يا جداه، لا حاجة لي في الرجوع إلى الدنيا فخذني إليك وأدخلني معك في قبرك). فقال له رسول الله: (لا بدّ لك من الرجوع إلى الدنيا حتى تُرزقَ الشهادة، وما قد كتب الله لك فيها من الثواب العظيم، فإنّك وأباك وأخاك وعمّك وعم أبيك تحشرون يوم القيامة في زمرةٍ واحدة، حتى تدخلوا الجنّة)(7). 3- إن ابتلاء الأنبياء والأئمة والأولياء (ع) يعلّم الناس كيفية التعاطي والتعامل مع المصائب، فتلك مدرسةٌ عمليةٌ لهم. 4- إن ابتلاء الأنبياء والأئمة والأولياء (ع) يهوّن على الناس تحمل البلايا والمصائب، بعد ملاحظتهم حصول ذلك بأنواعها المختلفة لأعزّ الخلق إلى الله تعالى، ومن الواضح والمعلوم: إنّ السنة الإلهية لم تجرِ على أن يجعل الدنيا داراً خاليةً عن المصائب والآلام، بل هي دارُ العمل والسعي والتنافس والاستباق والامتحان والاختبار، ومن الاختبار الامتحان بالمصائب، وهي دار الأسباب والمسببات والعلل والمعاليل، ونتاج هذا النظام بشكلٍ ضروري هو وقوع المصائب والبلايا والمآزق والجروح والقتل والشهادة وفقد الأعزّة والأحبّة، فهذه كلها من سنن الحياة الدنيا، خصوصا لأصحاب الرسالات الإصلاحية في المجتمع كـ الأنبياء والأئمة والأولياء (ع) وعامة المخلصين والصادقين مع الناس وأنفسهم، في مقابل القوى الفاسدة المفسدة في المجتمع ممّن يريدون الاستئثار بكل الخيرات وبكل لذةٍ وعيشِ كريمٍ وحياةٍ هنيئةٍ لأنفسهم ومقّربيهم. 5- إظهار مقاماتهم وكمالاتهم المعنوية، والدلالة على كمال إيمانهم وشدّة يقينهم بالله وحكمته وعدله، حيث إنّ رضاهم وصبرهم على ما فيه رضا الله تعالى يكشف عن كمال إيمانهم، وأنّهم أحسن الناس معرفةً بالله، ورضاً بقضائه، ممّا يشكلّ دليلاً آخر على استحقاقهم للإمامة والقيادة، ويتكوّن بذلك دافعٌ قويٌ آخر للناس نحو الاقتداء والتأسي بهم. وقد شرحنا ذلك بشيءٍ من التفصيل في كلمة الحكمة من هذه المجلة العدد (93) تحت عنوان: (ما هي فلسفة هذا البلاء العظيم)؟ 6- حتى لا يزعم من ابتلاهم الله بالبلايا أنّ الله قد ظلمهم، إذ كيف يكون حينئذٍ ذلك ظلماً وقد ابتلي بالمصائب أكرم الخلائق عن الله تعالى؟! 7- إنّ نزول البلايا بهم يبصّر الناس ويدلهم على دناءة الدنيا وحقارتها، فيكون ذلك معيناً لهم على عدم التكالب عليها بالظلم والفساد.. وإذا كانت المصالح الإلهية العامة هي المقتضية لحلول البلاء بالأولياء فالمسألة لا تندرج في إطار عجزهم عن مداواة جروحهم ودفع الضرّ عن أنفسهم كما جاء في السؤال، فهناك مصالحُ متعددةٌ دفعت لعروض البلايا على أئمة أهل البيت (ع) وغيرهم من الأولياء كما شرحنا ذلك، ليس عروضها دليلاً على عجزهم عن دفع الضرّ عن أنفسهم، حتى يُجعل ذلك العجز دليلاً على عدم استجابة دعائهم في حق غيرهم من المبتلين بالمصائب الذي هو المقصود بالتوسل هنا، حيث تقدم: إنّ التوسل الذي نقصده هنا ليس إلاّ طلب الدعاء منهم لقضاء الحوائج وكشف الهموم. على أنّ الأولياء أيضاً كانوا يلوذون إلى الدعاء لكشف الضرّ عن أنفسهم، وكانت أدعيتهم تستجاب فيما كانت المصلحة في الإجابة، كدعاء يعقوب (عليه السلام) لأن يردّ الله عليه ابنه يوسف وأخيه، فاستجاب الله تعالى له دعاءه. (فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ،َرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ). فلا يصح القول: إذا كان الأئمة (ع) يستطيعون مساعدتنا في المصائب وشفاء مرضانا، فلماذا لا يستطيعون حماية أنفسهم ومداواة جروحهم؟! إذ وجود مصالح تقتضي عروض البلايا عليهم لا يعني عدم استجابة دعائهم في حق غيرهم، وما عرض عليهم من البلاء اندفع بدعائهم بقدر ما وافق المصلحة الربانية. ملاحظة أخرى: وجاء في السؤال: (وبدأت أفقد الاعتقاد بإمام الزمان ووجوده أيضاً، ولا أستطيع التوسل إليهم كما كنت)؟! لكن لا علاقة بين صحة أو عدم صحة التوسل بهم وبصاحب الزمان (ع) وبين حياة ووجود أو عدم وجود صاحب الزمان، فهاتان قضيتان منفصلتان لا يصح الربط بنيهما، وحتى إذا فرضنا جدلاً عدم صحة التوسل ـ وهو فرضٌ غير صحيح ـ فهذا لا يستلزم عدم وجود وحياة إمام الزمان (ع)، حيث أنّ حياته (سلام الله عليه) ثابتةٌ بعشرات الأدلة من الكتاب والسنة وغير ذلك. (1) البقرة/ 186. (2) صحيح البخاري 1/224. (3) النساء/64. (4) لاحظ ذلك في المصادر المختلفة، ومن جملتها: بحار الأنوار 45/133. ومقتل الخوارزمي 2/63. (5) الكافي 2/252. (6) بحار الأنوار 44/367. (7) بحار الأنوار 44/328. (8) يوسف/100,99.

السؤال: جاء في مجلة (الحكمة) العدد (75) في جوابٍ على سؤالٍ حول كيفية كتابة التوسل بصاحب العصر (ع) المأخوذة لقضاء الحوائج: (هناك عدة نماذج للرسالة التي طلبتموها في كتب أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، ونذكر لكم فيما يلي واحدةً من تلك النماذج، ونسأل الله تعالى أن يقضي حاجاتكم بفعل وعمل ذلك: وقد ذكر هذا النموذج العلامة المجلسي (ره) في كتابه (بحار الأنوار) نقلاً عن كتاب (قبس المصباح) الذي هو من تأليف سليمان بن سلمان الصهرشتي تلميذ الشيخ الطوسي (رحمهما الله تعالى). قال (ره): نسخة رقعةٍ إلى الإمام (عليه السلام): إذا كان لك حاجة إلى الله عزّ وجلّ فاكتب رقعةً على بركة الله، واطرحها على قبرٍ من قبور الأئمة إن شئت، أو فشدّها واختمها واعجن طيناً نظيفاً واجعلها فيه، واطرحها في نهر جارٍ، أو بئر عميقةٍ، أو غدير ماءٍ، فإنها تصل إلى السيد (ع) وهو يتولّى قضاء حاجتك بنفسه، والله بكرمه لا يخيب أملك. تكتب: (بسم الله الرحمن الرحيم (كتبت إليك) يا مولاي (صلوات الله عليك) مستغيثاً، وشكوت ما نزل بي مستجيراً بالله عزّ وجلّ ثم بك من أمرٍ قد دهمني، وأشغل قلبي، وأطال فكري، وسلبني بعض لبّي، وغيّر خطر النعمة لله عندي، أسلمني عند تخيّل وروده الخليل، وتبرّا منّي عند ترائي إقباله لي الحميم، وعَجَزَت عن دفاعه حيلتي، وخانني في تحمله صبري وقوتي، فلجأت فيه إليك، وتوكّلت في المسألة لله عزّ وجلّ ثناؤه عليه وعليك وفي دفاعه عنّي، علماً بمكانك من الله ربّ العالمين وليّ التدبير ومالك الأمور، واثقاً منك بالمسارعة في الشفاعة إليه جلّ ثناؤه في أمري، متيقناً لإجابته تبارك وتعالى إيّاك بإعطائي سؤلي، وأنت يا مولاي جديرٌ بتحقيق ظنّي وتصديق أملي فيك في أمر كذا وكذا ممّا لا طاقة لي بحمله، ولا صبر لي عليه، وإن كنت مستحقاً له ولأضعافه بقبيح أفعالي وتفريطي في الواجبات التي لله عزّ وجلّ عليّ. فاغثني يا مولاي صلوات الله عليك عند اللهف، وقدَّم المسألة لله عزّ وجلّ في أمري قبل حلول التلف وشماتة الأعداء، فبك بُسطت النعمة عليّ، وأسئل الله جلّ جلاله لي نصراً عزيزاً وفتحاً قريباً، فيه بلوغ الآمال، وخير المبادي وخواتيم الأعمال، والأمن من المخاوف كلّها في كلّ حال، إنه جلّ ثناؤه لما يشاء فعّال، وهو حسبي ونعم الوكيل، في المبدأ والمآل). ثم تصعد النهر أو الغدير، وتعتمد به بعض الأبواب، إمّا عثمان بن سعيد العمري، أو ولده محمّد بن عثمان، أو الحسين بن روح، أو عليّ بن محمّد السمري، فهؤلاء كانوا أبواب الإمام (ع) فتنادي بأحدهم وتقول: (يا فلان بن فلان، سلامٌ عليك، أشهد أنّ وفاتك في سبيل الله، وأنت حيّ عند الله مرزوق، وقد خاطبتك في حياتك التي لك عند الله جلّ وعز، وهذ رقعتي وحاجتي إلى مولانا (عليه السلام)، فسلّمها إليه فأنت الثقة الأمين) ثمّ ارم بها في النهر، وكأنّك تخيّل لك أنك تسلَّمها إليه، فإنها تصل وتقضى الحاجة إن شاء الله تعالى). (بحار الأنوار 91/29،30). أقول: ينبغي الالتفات إلى أمرين: 1- بعد كتابة الرقعة وعمل ما تقدم، يرمى بها في نهرٍ جارٍ أو بئر عميقةٍ أو غدير ماءٍ، كما ذكر في بداية النص الذي نقلناه، ومع عدم إمكان رميها في النهر والبئر والغدير فلا بأس برميها في البحر أيضاً إن شاء الله تعالى، كما يستفاد ذلك من سائر نماذج الرقع المذكورة في أخبارنا (لاحظ بحار الأنوار 91/25،27 )، ولا خصوصية ظاهراً للنهر والبئر والغدير. 2- المقصود بـ جملة (في أمر كذا وكذا) المذكورة في نصّ الرقعة هو: ما لك من الحوائج، فبدلاً عنها تذكر حوائجك في نصّ الرقعة. وكذلك المقصود بـ جملة (يا فلان بن فلان) في نهاية الرقعة هو: أن تذكر اسم أحد السفراء الأربعة للإمام المهدي (ع)، إمّا عثمان بن سعيد العمري، أو ولده محمّد بن عثمان، أو الحسين بن روح، أو عليّ بن محمّد السمري. والسؤال هو: إنّه عندما أكتب حاجتي بخط يدي في ورقة (رقعة) وأطويها، فهل يصح ويكفي في العمل بما ذكرتموه في الجواب المتقدم الذي نقلته عن (الحكمة)، أن أقوم بوضعها في ضريح الإمام الرضا (عليه السلام) لأنّي متوجهة إلى هناك قريبا، وإن لم أستطع وضعها في الضريح هل يكفي أن أضعها في باب المراد هناك؟

الجواب:

يكفي الوضع في الضريح، وإن لم يمكن الوضع فيه، فشدّي الرقعة واختميها واعجني طيناً نظيفاً واجعليها فيه، واطرحيها في نهرٍ جار أو بئرٍ عميقة، أو غدير ماءٍ.. واعملي كما ذكر في باقي الجواب الذي نقلته في السؤال.

السؤال: ماذا تقولون في التعليق على كلام مَن يقول بأنّ البشرية اليوم تبلغ خمسة ملياراتٍ أو ما يزيد على ذلك، وكل هؤلاء كفارٌ إلا مليار مسلمٍ تقريبا، والمسلمون معظمهم غير ملتزمين بالأحكام الشرعية وغير متدينين، فإذا قلنا بدخول الكفار كلهم في النار، وأيضاً دخول أصحاب الكبائر من المسلمين في النار، فمعنى ذلك أنّه لا يبقى من البشرية الناجية من النار إلا أقل القليل، وأن أكثر البشرية ستدخل النار، وأن الله تعالى سيلقي بمليارات البشرية في النار، وهكذا الحال بالنسبة إلى الأزمنة الأخرى! فهل هذا معقولٌ من الرب الحكيم والعدل الرحيم، وهل يفعل هذا بشرٌ عاديٌ يملك أقل وأضعف مراتب الرحمة والشفقة، فضلاً عن الله تعالى منبع الرحمة، وكيف نؤمن بربٍ هكذا يفعل بعباده مهما عصوه؟ وهل يمكن صدور ذلك منه مع سعة رحمته وحكمته وعدله، وألا يتنافى ذلك مع ضرورات العقول وبديهيات الفطرة البشرية الصافية وقواعد العدل؟ وهذا ما دعى بعض المفكرين إلى أن يقول: بأن عدم إمكانية هذا النحو من العقاب الواسع للعباد دليلٌ على أن كل الناس ـ بجميع مذاهبهم وأديانهم ومناهجهم في الحياة ـ يسيرون في الصراط المستقيم، إلا أن مراتب نيلهم لهذا الصراط مختلفة. من الطبيعي إننا لا نتحدث هنا عن معاقبة الإنسان الذي يظلم غيره من الناس، لأن معاقبة هذا عين العدل وهو مقتضى العدل الإلهي، وإنما نتحدث عن من لم يظلم غيره من الناس وإنما عصى الله تعالى فقط ولو بالمعاصي الكثيرة.

الجواب:

هذا التساؤل المهم والدقيق والمحير لكثيرٍ من النفوس يمكن التوسع في جوابه إلى تفاصيل كثيرة، لكن الذي يمكن أن نقوله الآن هو: الجواب الأول: إن الكافر على أقسام، ولا يمكن الحكم بدخول كل كافرٍ في النار، بل في ذلك تفصيلٌ ذكرناه في جواب السؤال رقم (1023) المنشور في العدد (127) من مجلة (الحكمة). وقد جاء في دعاء كميل المعروف والذي لا يمكن التشكيك في صحة صدوره عن المعصوم (عليه السلام) قوله: (.. فباليقين أقطع لولا ما حكمت به من تعذيب جاحديك، وقضيت به من إخلاد معانديك، لجعلت النار كلها برداً وسلاما، وما كان لأحدٍ فيها مقراً ولا مقاما، لكنك تقدست أسماؤك، أقسمت أن تملأها من الكافرين من الجنة والناس أجمعين، وأن تُخلد فيها المعاندين، وأنت جلَّ ثناؤك قلت مبتدئاً وتطولت بالإنعام متكرما: (أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون..)) (مصباح المجتهد ـ الشيخ الطوسي 848). وقد جاء في الكتاب العزيز قوله تعالى: (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ، مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ، الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ). (سورة ق/24-26). والذي يُستشعر من الآية المباركة، كما أن الذي يستفاد من الفقرات النورانية من الدعاء المتقدم: أن دخول النار لا يعمُّ جميع الكفّار، وإنما يختص بـ : المعاندين والجاحدين منهم. والخلاصة: إن دخول معظم البشرية في النار بسبب الكفر غير واضحٍ حتى يُقال بأنّه بناءً على المعتقدات الإسلامية ستكون النتيجة دخول معظم البشرية في النار، وإن هذه النتيجة مما لا تقبل بها الفطرة البشرية للربّ الحكيم العادل. بل لا يبعد أن تكون الغالبية العظمى من البشرية الكافرة إنما هي من قبيل الجاهل القاصر في كفره وليس المقصر، إذ معظمهم: 1- إما جازمٌ بصحة طريقه في الحياة في مقياس الرضوان الإلهي. 2- أو يحتمل عدم صحة منهجه في الحياة في مقياس الرضوان الإلهي، لكن قيمة هذا الاحتمال ضعيفةٌ جداً عنده إلى درجة الاحتمالات الضعيفة التي لا يعتني إليها العقلاء في حياتهم ولا يقيمون لها وزنا. 3- أو حائرٌ مترددٌ يعتقد أن لا سبيل إلى معرفة المنهج الصحيح في الحياة في مقياس الرضوان الإلهي. والجاهل القاصر مما لا يمكن الحكم بدخوله النار كما تمًّ توضيح ذلك في جواب السؤال رقم (1023) المنشور في العدد (127) من مجلة (الحكمة). الجواب الثاني: إن حتى نحن لا ننكر أن لكل إنسانٍ في الحياة ـ عادة ـ حظّاً ـ من الصراط المستقيم، وقد لا يكون هناك إنسانٌ لا يملك من الحقيقة والاستقامة شيئاً أصلا، كما أن الأديان أيضا ـ كلها أو معظمها ـ تمتلك شيئاً من الصراط المستقيم، لكن الحديث والجدل يدور حول أن من يمتلك كامل الصراط المستقيم والحقيقة مَن هو؟ وهنا نقول: بأن الصراط المستقيم التام إنما يمتلكه الإسلام. وأما الرأي الآخر فماذا يقول: هل أن كل الناس وكل الأديان يمتلكون بعضاً من الحقيقة والصراط المستقيم، أم أن كل واحدٍ يمتلك كل الحقيقة؟ إن كان يقول الأول فلا نختلف معه، لكنه لا ينتج عدم ضرورة اتباع الإسلام، لكون الصراط المستقيم متوفراً في كل الأديان ومناهج الحياة، إذ النقاش والبحث يدور حول النقاط الاختلافية بين الأديان ومناهج الحياة، ففي هذه المساحة الاختلافية يجب اتباع أيّ دينٍ ومنهج، وأين هو الصراط المستقيم؟ وإن كان يقول الثاني فهو مسلتزمٌ لأن نعتبر المنهجين المتناقضين في الحياة ـ في نقاطهما الاختلافية ـ كليهما صراطاً مستقيماً، فإذا كان أحدهما مثلاً يبيح شرب الخمر والآخر يحرمه فكلٌ منهما يمثّل صراطاً مستقيما، وكيف يمكن أن يكون الشيء ونقيضه صراطاً مستقيما، وكيف يمكن أن يكون تحريم الشيء وتحليله كلاهما صراطاً مستقيما؟! لا يمكن ذلك إطلاقاً كما هو واضحٌ بعد التأمل للبعض، أو بدونه للبعض الآخر. الجواب الثالث: جاء في السؤال: إن عدم إمكانية معاقبة الغالبية العظمى من البشرية بالنار ـ لتنافيه مع قواعد العدل ومقتضيات الرحمة الواسعة الإلهية ـ هو الذي دعى بعض المفكرين للاعتقاد بأن ذلك دليلٌ على أن الناس بجميع مذاهبهم وأديانهم ومناهجهم في الحياة يسيرون في الصراط المستقيم، إلا أن مراتب نيلهم لهذا الصراط مختلفة.. لكن الذي نلاحظه على هذا المنهج من الاستدلال هو: إن عدم إمكانية ذلك العقاب الواسع لا ينتج كون الجميع سائراً في الصراط المستقيم، وإنما ينتج في أقصاه عدم عدالة ذلك العقاب، وإما كون الجميع سائراً في الصراط المستقيم فليس من نتائج عدم عدالة العقاب، إذ الانفكاك بينهما ممكن كما هو واضح، فمن الممكن أن لا تصح معاقبتهم لكن مع عدم صحة سلوكهم ومنهجهم في الحياة، لأنه ليس كل من يرتكب خطأً تصح معاقبته، وإنما صحة العقاب تحتاج أيضاً إلى أن لا يكون من قبيل الجاهل القاصر في الحياة، فمن الممكن أن نفترض عدم صحة منهج الشخص في الحياة مع عدم صحة معاقبته لكونه جاهلاً قاصرا، ومن هنا فاستنتاج كون الجميع سائراً في الصراط المستقيم من عدم صحة معاقبتهم استنتاجٌ غير منطقي وغير علمي. الجواب الرابع: إن من يتبنَّى مقولة كون جميع مناهج الحياة والأديان صراطاً مستقيماً لا يمكنه الجمع بين اعتقاده بالإسلام وبين ذلك الرأي، لتناقض ذلك الرأي مع بعض الآيات الصريحة في القرآن الكريم والتي تنفي مثل هذا الرأي، إلا أن يتخلَّى عن إسلامه وما جاء به القرآن، فانظر إلى قوله تعالى: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ). (آل عمران/85). فكم هذه الآية صريحةٌ في عدم قبول الإسلام ببقية المناهج ونفيه عنها ـ بالنتيجة ـ كونها صراطاً مستقيما، وحصره الاستقامة في الإسلام. وأساساً كل مدرسةٍ ومنهجٍ ودينٍ في الحياة ينفي الاستقامة عن بقية المناهج فيما تختلف معها من النقاط، وإلا ستكون متناقضةً مع نفسها.

السؤال: الصورة المنسوبة إلى الإمام الحسين الشهيد (عليه السلام) هل مما يحرم تداولها، وإذا كان لا يحرم فما وجه الشبه بينها وبين صورة السيد المسيح عند النصارى؟

الجواب:

كون الصورة المنسوبة إلى الإمام الحسين (ع) والرائجة فعلاً بين الناس صورة ًصحيحةً واقعيةً غير معلوم. نعم لا إشكال في أن يضعها الإنسان في مكتبه أو منزله، لكن لا يجوز إخبار أحدٍ بأنها صورةُ الإمام (ع). وأماّ الإعتقاد في داخل القلب فقط بأنها صورة الإمام (ع) فلا يمكن الحكم بحرمته، لكنهُ اعتقادٌ بغير دليل. وكذلك بالنسبة إلى صورة السيد المسيح (ع)، فهما متشابهان في الأحكام المتقدمة. نعم لا شك في أنّه لا يجوز تصوير الأنبياء والأئمة والمعصومين (ع) بكيفية مشينة ومسيئة لتلك الذوات المقدسة في نفوس الناظرين، وذلك من مثل تصوير السيدة مريم (عليها السلام) بصور امرأةٍ سافرةٍ وشبه عارية كما يلاحظ في بعض الصور، فإنّ ذلك مسيءٌ قطعاً لهذه المرأة الصدّيقة الطاهرة.

السؤال: هناك شخصياتٌ كثيرةٌ عرفها الناس، قدّمت للبشرية خدماتٍ جليلةً وكبيرة، ولا زالت آثار خدماتهم مستمرةً ومتسعة من خلال اختراعاتهم المفيدة والنافعة، كمن اكتشف الطاقة الكهربائية والإنارة والمصباح، ومن اخترع السيارة والطائرة والقطارات الأرضية وتحت الأرضية، وأصحاب الكشوفات الكبيرة في علوم الطب ومعالجة الأمراض وصناعة الأجهزة والمستلزمات الطبية والأدوية، ومن أبدعوا في مجال البناء وتشييد السدود والجسور وغير ذلك، مما هو كثيرٌ كثير. لكن ربما نسمع من بعض علماء الدين أن الكافر من هؤلاء (وهو معظمهم أو كلهم) سيدخل النار في يوم القيامة، وأنا ما قدمه من خدماتٍ جليلةٍ نافعةٍ إلى البشرية لن تشفع له شيئاً يوم القيامة. فما هو رأيكم في هذا الكلام، ألا يعدٌّ دخولهم النار ظلماً لهؤلاء الذين قدموا هذه الخدمات الجليلة للبشرية، وهل يصدر ذلك من الله الحكيم العادل؟

الجواب:

يجب التفريق بين أمرين: الأمر الأول: خدماتهم الجليلة وهنا ملاحظتان: الأولى: لا يمكن عدّ الشخص العالم والمخترع قد قدّم خدمةً جليلةً للناس يستحق عليها المدح والثناء والأجر، إلا إذا كان قصده مما أبدعه واخترعه خدمة الناس وتسهيل حياتهم وتيسير أمورهم والمساهمة في حلّ مشاكلهم ومعالجة آلامهم، ففي هذه الحالة يُعدُّ المخترع ممن قدّم خدمةً وعمِل جميلاً إلى الناس من خلال ما اخترعه وأبدعه لمصلحة الناس، ويستحق حينئذٍ الثناء والمدح والأجر بحسب فهم العقلاء وذوقهم وتشخيصهم. وإما إذا كان هدف المخترع: 1- أن يصل إلى الكشوفات الجديدة في تحقيقاته وبحوثه العلمية، ولم يكن له غرضٌ ونظرٌ وهدفٌ في خدمة الناس وتيسير شؤونهم وحل معضلاتهم أصلا، ولكن الكشف الجديد الذي ابتدعه أّدى بشكلٍ لا إراديٍ منه إلى الإسهام في خدمة الناس، ففي هذه الحالة لا يمكن عدّه قد أسدى جميلاً إلى الناس وأحسن إليهم إذ لم يكن قاصداً لذلك الأمر، ولم يكن متوجهاً إليه، ولم يكن معنياً به أساسا، فكيف يمكن عدّه قد أسدى جميلاً إلى الناس يستحق عليه الثناء والأجر؟! ومن المعروف الواضح أن قيمة كل عملٍ بالنية الكامنة وراءه، والهدف الكامن وراءه، فإذا لم يكن الهدف خدمةَ الناس فكيف يمكن عدّ العمل جميلاً وخدمةً للناس؟! 2- وهكذا إذا كان هدف المخترع من اختراعه حبَ البروز والظهور والاعتزاز أمام الناس، أو كان له أيّ هدفٍ ماديٍ آخر كـ كسب المال أو الجاه أو..، فإنّه أيضاً لا يستحق على اختراعه شيئاً من الأجر، ولا يعد ممن أسدى جميلاً إلى البشرية، وإن انتهى الكشف الجديد الذي ابتدعه إلى الإسهام في خدمة الناس بشكلٍ لا إراديٍ منه. فالنتيجة: أنّه ليس كلٌّ مخترعٍ أدّى اختراعُه إلى خدماتٍ جليلةٍ للناس يستحق على اختراعه الأجر والثناء، وإنّما في بعض الحالات فقط، وهي ما إذا كان ناوياً أساساً في بحوثه واختراعاته خدمة الناس. فلا يمكن أن نعتبر وندّعي بأنّ كل المخترعين الذين قدّمت اختراعاتهم خدمةً جليلة للناس، يستحقون على اختراعاتهم المدح والثناء والأجر، ولا يمكن أن نعتبر اختراع المخترع حاجزاً له عن المعاقبة على ذنبٍ أو تقصيرٍ ارتكبه. الثانية: أنّه حتى في المخترعين الذين قصدوا في بحوثهم العلمية وتحقيقاتهم واختراعاتهم خدمة الناس فقط، وليس أي غرضٍ ذاتيٍ إطلاقا، فهؤلاء وإن كانوا يستحقون المدح والثناء والشكر من الناس لكنهم لا يستحقون على الله أجرا، إذ لم يقدّموا خدمةً لله تعالى، نعم إذا آجرهم الله على عملهم فذلك خيرٌ وجميلٌ منه تعالى. وحتى إذا سلّمنا أنهم يستحقون الثواب من الله تعالى في حالة قصدهم خدمة الناس، فهذا الثواب لا يمكن أن نعتبره حاجزاً عن المعاقبة على ذنبه وكفره، بل لكلٍ من اختراعه وذنبه وكفره حسابه واستحقاقه الخاص. نعم، قد تغلِب حسناتُ وخيراتُ الشخص على سيئاته، فيتجاوز الله تعالى عن سيئاته، لكن ليس كل المخترعين كانوا هكذا. الأمر الثاني: من يستحق دخول النار؟ إنّه بحسب قواعد العدل لا يمكن أن نحكم بدخول كل كافرٍ في النار، حتى وإن وجدت بعض الأدلة الشرعية اللفظية التي تقتضي ذلك، إذ هذه الأدلة لا يمكن أن يكون لها عمومٌ وإطلاقٌ وشمولٌ يستلزم الظلم على العباد، إذ الكافر على أقسام: 1- الكافر الجاهل القاصر الذي لم يكن مؤمناً بالله تعالى ولم يحتمل وجوده أصلا. 2- الكافر الجاهل المقصر الذي لم يكن مؤمناً بوجود الله تعالى ولكنه كان يحتمل وجوده، إلا أنّه لم يبذل جهداً لدراسة الأمر وتفحصه للوقوف على الواقع والاهتداء إلى معرفته تعالى، وبقي على كفره دون دراسةٍ وتأمل. 3- الكافر الجاحد الذي يعرف أن الله تعالى موجودٌ لكنه ينكره، لا استكباراً على الله تعالى وإنكاراً لفضله، بل لدواعٍ أخرى. 4- الكافر الجاحد الذي يعرف أن الله تعالى موجودٌ لكنه ينكره، وذلك استكباراً على الله تعالى وإنكاراً لفضله. وليس كل هؤلاء الكفار يستحقون النار على كفرهم، بل إنّ معاقبة بعض هؤلاء ـ كالقسم الأول ـ بالنار إخلالٌ بالعدالة الإلهية، وفي ذلك بحوثٌ وإشكالاتٌ واسعة لا يسع طرحها والتعليق عليها في هذه العجالة. وقد يأتي مزيدٌ من التفصيل في جواب المسائل اللاحقة. وبناءً على ما تقدم، فالمخترع الكافر تجري عليه القاعدة المتقدمة من أنّه هل كان كافراً قاصرا، أو مقصرا، أو..، فإن كان قاصراً لم نحكم عليه باستحقاق النار، وإن كان مقصراً أو غير ذلك ففيه كلامٌ آخر. والخلاصة: إنه لا علاقة بين مسألة كفره واستحقاقه للنار بسبب الكفر وبين مسألة اختراعه، ولا ينبغي الخلط بين الأمرين، إل لكلٍ من الموضوعين حُكمه وآثاره.

السؤال: ذكرتم في الحلقة السابقة من مسائل (التفقه في الدين ـ العدد132 ـ من مجلة الحكمة) في الجواب عن تساؤل أن نتيجة المعتقدات الإسلامية دخول معظم البشرية في النار وأن ذلك مما لا تقبله أية فطرةٍ صافية، ولا يقوم به من يملك أدنى مراتب الرحمة، فكيف بأرحم الراحمين... ذكرتم في التعليق أربعة أجوبة، لكن لا زالت هناك نقطتان تحتاجان إلى التوضيح والتفسير، وهما: 1- جاء في الجواب الثاني: (أنه حتى نحن لا ننكر أن لكل إنسانٍ في الحياة ـ عادة ـ حظّاً ـ من الصراط المستقيم، وقد لا يكون هناك إنسانٌ لا يملك من الحقيقة والاستقامة شيئاً أصلا، كما أن الأديان أيضا ـ كلها أو معظمها ـ تمتلك شيئاً من الصراط المستقيم، لكن الحديث والجدل يدور حول أن من يمتلك كامل الصراط المستقيم والحقيقة مَن هو؟ ... وذكرتم أن القول بأن كل الأديان والمناهج في الحياة تسير في الصراط المستقيم مستلزمٌ لأن نعتبر المنهجين المتناقضين في الحياة ـ في نقاطهما الإختلافية ـ كليهما صراطاً مستقيما، فإذا كان أحدهما مثلاً يبيح شرب الخمر والآخر يحرمه فكلٌ منهما يمثَّل صراطاً مستقيما، وكيف يمكن أن يكون الشيء ونقيضه صراطاً مستقيما، وكيف يمكن أن يكون تحريم الشيء وتحليله كلاهما صراطاً مستقيما؟!) فرأيتم إن إشكالية نظرية الصُرُط المستقيمة تكمن في المساحات الإختلافية بين الأديان، حيث لا يمكن اعتبار المتناقضات كلها صحيحة، فإذا كان أحدهما صحيحاً كان الآخر خاطئاً بالضرورة.. مع أنه لا داعي إلى النظر إلى الأمر بهذا الشكل، فمن الممكن اعتبار المختلفين معاً صحيحين، إلا أن أحدهما أفضل من الآخر، لا إن أحدهما صحيحٌ والآخر خاطئ، وهذا له أمثلةٌ كثيرةٌ جدا، فإذا طلب منك مساعدة الفقير مثلا، فكلٌ من المساعدة وعدم المساعدة صحيح، لكن المساعدة أفضل من عدهما.. وما المانع أن نفسر الاختلاف بين الإسلام وبقية الأديان وغير الأديان من المناهج في الحياة بهذا النحو من التفسير، فالكل يسير في الصراط المستقيم، لكن السير في طريق الإسلام أفضل من غيره، ولماذا نفسر النقاط الإختلافية بين الأديان والمناهج بالمتناقضات التي لا تقبل الاجتماع تحت سقف الصراط المستقيم؟! بل إننا نجد في القرآن الكريم ما يمكن أن يُستفاد منه ذلك، نجد فيه ما يُوحى بأن الاختلاف بين الأديان ليس بمستوى التناقض، فلننظر إلى قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ).(المائدة/69). حيث يلاحظ منها الإفادة بأن المهم هو الإيمان بالله تعالى والقيامة والعمل الصالح، فمن جمع هذه الثلاثة حتى من الصابئة والنصارى فلا خوفٌ عليه في القيامة ولا هم يحزنون، وهذا يعتبر بياناً واضح الدلالة على عدم ضرورة كون الإنسان مسلماً لكي يكون من أهل النجاة في القيامة، ولولا أن الصراط المستقيم متوفرٌ لمن جمع الثلاثة وإن لم يكن مسلماً لما جاء هذا التطمين الإلهي، ومع وجود هذا التصريح القرآني فكيف نصرّ على إن الصراط المستقيم غير متوفرٍ إلا في الإسلام؟! 2- وجاء في الجواب الرابع: إن من يتبنَّى مقولة كون جمع مناهج الحياة والأديان صراطاً مستقيماً لا يمكنه الجمع بين اعتقاده بالإسلام وبين ذلك الرأي، لتناقض ذلك الرأي مع بعض الآيات الصريحة في القرآن الكريم والتي تنفي مثل هذا الرأي، إلا أن يتخلَّى عن إسلامه وما جاء به القرآن، فانظر إلى قوله تعالى: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ). (آل عمران/85) وذكرتم إن هذه الآية صريحةٌ في عدم قبول الإسلام ببقية المناهج ونفيه عنها ـ بالنتيجة ـ كونها صراطاً مستقيما، وحصره الإستقامة في الإسلام. وقد فهمتم من هذه الآية أن المقصود بالإسلام فيها هو الدين الإسلامي لوحده، مع إننا إذا راجعنا آيات القرآن سنجد إن المقصود بالإسلام فيها ليس خصوص الدين الذي جاء به النبي محمد (ص) فقط، بل الإسلام يقصد به في آيات القرآن ـ عاة ـ جميع الأديان السماوية، وبناءً على ذلك ستتغير النتيجة إلى أن هذه الآية إنما ترفض منهج من لا يلتزم بدينٍ سماويٍ أصلا، وليس من لا يلتزم بخصوص ما جاء به النبي محمد (ص) من الدين. وهذا هو ما يستفاد أيضاً من الآية التي ذُكرت في النقطة الأولى، أي آية: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ).

الجواب:

أما النقطة الأولى: فالجواب عنها: أولاً: لنفترض أن آية (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) يستفاد منها ما ذُكر في السؤال، لكن من الواضح أن القرآن يفسر بعضه بعضا، وكمّا أن هذه الآية موجودةٌ في القرآن كذلك آية (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) موجودةٌ فيه، وهذه الآية الثانية تدل دلالةً واضحةً على أن اتباع غير منهج الإسلام الذي جاء به محمدٌ (ص) مرفوضٌ قُرآنيا، وحينئذٍ ستكون نتيجة الجمع بين الآيتين إن آية (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) إما: 1- إنها تتحدث عن خصوص من اتبعوا النصارى والصابئة وغيرهم ممن ذُكروا في الآية قبل مجيء الإسلام وبعثة النبوة الخاتمة، وإنهم لا بأس عليهم فيما اتبعوا. 2- أو إنها نزلت في مرحلةٍ مبكرةٍ من بعثة خاتم الأنبياء محمد (ص)، حيث سمحت للنصارى وغيرهم ممن ذُكروا في الآية بأن يبقوا على دينهم ملتزمين به، ثم في مرحلةٍ متأخرةٍ جاءت الآية الناسخة لها وهي: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) فنسخت مضمون الآية الأولى، ومن المعروف الواضح أن آيات القرآن كانت متدرجةً في النزول والتبليغ، وأنه ربّما كان المتأخر منها ناسخاً لحكم بعض الآيات السابقة في النزول كما هو مقتضى طبيعة التّدرج الذي هو من سُنن الحياة، وأيضاً الشرائع التي تستهدف التربية، وهي عمليةٌ متدرجةٌ في طبيعتها. وعلى تقدير كلٍ من هذين التفسيرين فالواجب هو العمل بمضمون آية (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) وليس آية (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)، لأن الثانية منسوخةٌ بالأولى، أو أنها تعالج حكم من عاشوا قبل مجيء الإسلام. ثانياً: وحتى على فرض صحة ما ذكر في تفسير آية (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) فالنتيجة لن تكون أن جميع المناهج في الحياة صُرُطٌ مستقيمة، سواءً أكان المنهج ديناً سماوياً أو غير ذلك كما جاء في نظرية الصُرُط المستقيمة، وإنما إن النصرانية وغير ذلك مما ذُكر في الآية فقط، أيضاً تُعدُّ صُرُطاً مستقيمة، وأين هذا من فكرة أن جميع المناهج في الحياة صُرُطٌ مستقيمة، فالفاصل بين تلك الفكرة وبين ما تدعو إليه الآية ـ بناءً على ذلك التفسير لها، والذي لم نقبل به ـ الفاصل كبيرٌ جدّاً. وأما النقطة الثانية: فأيضاً الجواب عنها: أولاً: إنه مع أن نظرية كون اسم (الإسلام) اسماً للأديان السماوية صحيحةٌ ـ إجمالا ـ لكن ذلك لا يؤثر شيئاً على النتيجة التي ذكرناها في الحلقة السابقة وهذه الحلقة، لأنه مما لا شك فيه أن الدين السماوي الواحد الذي بلّغه الأنبياء (ع) كان يتطور، ولا شك في أن التشريعات التي جاء بها نبينا محمد (ص) كانت مختلفةٌ في كثيرٍ من التفاصيل مع تشريعات الأنبياء السابقين، وعلى هذا فاللازم هو الأخذ بآخر ما جاءت نبوة السماء، وإلا فلماذا بعث الله آخر رسله بهذه التشريعات الجديدة إن لم تكن واجبة العمل! بل معنى بعثه بالتشريعات الجديدة هو إن التشريعات التي تتناقض مع هذه التشريعات في الشرائع السابقة منسوخةٌ لا يصح العمل بها وإنها قد انتهى أمد العمل بها، وإلا فلا معنى لبعثه بتشريعاتٍ جديدةٍ وأمره بتبليغه إياها إلى الناس إن لم يكن المطلوب ترك تلك والعمل بالجديدة! فبعد بعثة النبي محمد (ص) نحن أمام الإسلام في آخر تشريعاته، فما هو الإسلام الآن هل الإسلام بتشريعاته المنسوخة من الأديان السابقة، أم الإسلام الآن هو الإسلام بتشريعاته النافذة الجديدة؟ الجواب واضح، فما كان إسلاماً في عهد إبراهيم الخليل (ع) لم يعد إسلاماً الآن، إنّما الإسلام الآن هو ما جاء به محمد (ص) وما عدى ذلك فليس بإسلام، وبناءً عليه عندما تأتي الآية القرآنية وتقول: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) إنما يمكن أن تتحدث عن ما هو الإسلام الآن لا ما كان إسلاما، فمن يبتغي غير ما هو إسلامٌ الآن فلن يُقبل منه، وليس ما كان إسلاما. بل من الواضح أن المسلم الذي يتّبع دين محمدٍ (ص) لا يتبع الإسلام السابق الذي جاء به الأنبياء السابقون، فهل لا يُقبل ذلك منه، وهل هذا هو ما تقوله الآية (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)؟! نعم قد تسأل وتقول: صحيحٌ أن هناك إسلام كل نبيٍ من الأنبياء السابقين وإسلام خاتم الأنبياء (ص)، وبين ذلك كله لا يمكن أن يكون المقصود بالآية المباركة إسلام الأنبياء السابقين دون إسلام خاتم الأنبياء (ص)، ولكن يمكن طرح فرضيةٍ أخرى في تفسير الآية، وهي: أن يكون المقصود بالآية القِيم المشتركة بين إسلام جميع الأنبياء وليس خصوصيات الشرائع التي أتوا بها، والنتيجة أن من لا يلتزم بالقيم المشتركة بين الأنبياء (ع) فلن يُقبل منه، لكن إذا التزم بالقيم المشتركة فذلك يُقبل منه وإن لم يلتزم بخصوص تشريعات خاتم الأنبياء أو بقية الأنبياء (ص)، وحينئذٍ ستكون النتيجة مشابهةً لما أفادته الآية الأخرى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) وبذلك يتضح المطلوب من خلال آية (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ). لكن الجواب: إنه بناءً على هذه الفرضية، ستكون النتيجة إن من لم يلتزم بشيءٍ من تشريعات النبوة الخاتمة أو بقية النبوات فلا مشكلة، ويكفيه الالتزام بالقيم المشتركة، وإذا كان الأمر كذلك فالسؤال إنه: إذن لماذا كان يدعو الأنبياء ـ ومنهم النبوة الخاتمة ـ إلى العمل بتفاصيل التشريعات التي أتوا بها وكانوا يبينون للناس إن العمل بها لازمٌ وأمرٌ من الله تعالى، وإلا يعدُّ حينئذٍ هذا مناقضاً للفرضية المذكورة في تفسير الآية، وكيف يمكن أن يكون عمل الأنبياء ـ ومنهم النبوة الخاتمة ـ مناقضاً لما نادت به الآية بناءً على الفرضية المذكورة في تفسيرها؟! وهكذا نصل إلى نتيجة أن المقصود بآية (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) لا يمكن أن يكون غير الإسلام الذي جاء به محمد (ص). ثانياً: وحتى على فرض صحة ما ذكر في تفسير آية (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) فالنتيجة لن تكون أن جميع المناهج في الحياة صُرُطٌ مستقيمة، سواءً أكان المنهج ديناً سماوياً أو غير ذلك، وإنمّا: إن اتباع أحد الأديان السماوية. أو اتباع القيم المشتركة بين الأديان السماوية. أيضاً يُعدُّ صُرُطاً مستقيمة، وأين هذا مما جاء في نظرية أن جميع المناهج في الحياة صُرُطٌ مستقيمة، فالفاصل بين تلك النظرية وبين ما تدعو إليه هذه الآية ـ بناءً على ذلك التفسير لها والاستنتاج منها، والذي لم نقبل به ـ الفاصل كبيرٌ جداً.

السؤال: من هم الأنبياء المعصومون، وهل كانوا يخطئون في حياتهم الدنيوية؟

الجواب:

الأنبياء المعصومون (عليهم السلام) هم الذين يوحي الله تعالى إليهم، ممّن نصبهم وعينهم تعالى لهداية الخلق وإرشاد الناس إلى الطريق الصحيح والصراط المستقيم الذي يؤمّن سعادة الدنيا والآخرة للإنسان والمجتمع، سواء أكانوا أصحاب شريعةٍ أم لا، وهؤلاء الأنبياء قد بيّن في القرآن الكريم أسماء جملةٍ منهم يزيدون على العشرين نبيا، وأما البقية فلم يفصح القرآن عن أسمائهم صلوات الله عليهم أجمعين، وهم (ع): 1- وهم (ع) لا يخطئون ولا يسهون في هداية الناس وتوجيههم، وإلا فكيف يكونون مرشدين للناس مع عدم ضمان عدم خطئهم في التوجيه، ومن الواضح أن أيّ إنسانٍ أو مجتمعٍ لا يأخذ بتوجيه أحدٍ إلا إذا ضمن عدم خطئه، إلا أن لا يتوفر الموّجه المعصوم عن الخطأ، لكن هل يعجز الله تعالى عن أن يعصم نبيه عن الخطأ! 2- وكذلك لا يخطئون ولا يسهون في أمورهم الدنيوية الخاصة بهم، وذلك لأنه حتى مثل هذه الأخطاء ـ التي لا تمسّ سلامة التوجيه وإرشاد الناس بشكلٍ مباشر ـ إذا ما صدرت عن النبي والقائد المكلف بتوجيه وقيادة المجتمع، فإنّها ستقلل وستضعف ـ لا محالة ـ من ثقة الناس به وفيه ومن ثقة الناس حتى بسلامة توجيهاته الدينية، فهذه هي طبيعة الناس العامة خصوصاً في العصور القديمة ـ عصور الأنبياء ـ غير الناضجة ثقافياً وفكرياً ومعرفيا، هي طبيعتهم الفكرية التي لا تميّز بين الحقول والمجالات، والتي بنيت على ربط كل شيءٍ بكل شيء، وذلك بخلاف إنسان هذا العصر الذي بنيت ثقافته على التفكيك والتمييز والنقد. ففي مثل تلك الثقافة القديمة غير المميزة لا شك في أن خطأ الأنبياء (ع) حتى في أمورهم الدنيوية سيؤثر سلباً حتى على ثقة الناس بهم على مستوى توجيهاتهم الدينية، وهذا التأثير السلبي ما دام يمكن منعه من خلال حفظ وتسديد الله تعالى لهم عن تلك الأخطاء فلا بدّ منه، تحقيقاً لأكبر قدرٍ ممكن من ثقة الناس بالأنبياء (ع) دون أن يسلب الناس اختيارهم في ذلك، تلك الثقة التي هي فلسفة المعجزات التي أجراها الله على أيدي أنبيائه. 3- كما أن الأنبياء (ع) لا يعصون الله تعالى، لنفس الدليل المتقدم في الفقرة الثانية، والذي يتلخص في أن صدور المعاصي عنهم سيؤدي إلى عدم ثقة الناس بهم وفيهم، وبالتالي إعراضهم عنهم وعدم اقتدائهم بهم.

السؤال: ما حكم التوظف في الفندق في وظيفة إستقبال الزبائن، علماً بأنه مشتمل على صالات للرقص وبارات لبيع الخمور، وما حكم الراتب الذي يتقاضاه الموظف في هذه الوظيفة، علماً بأن الوظيفة ليست لها علاقة مباشرة بالخمور؟

الجواب:

لا بأس بالعمل في الوظيفة المذكورة في حد نفسه، إلا إذا كان مستلزماً لترويج المنكر وإشاعته في المجتمع فلا يجوز.

 
 
 
 
 

2009 جميع الحقوق محفوظة لدى مكتب الشيخ حسين النجاتي، تصميم وتطوير نيما

 

التقويم والأوقات الشرعية

|

مواقع مفيده

|

مزارات البحرين

|

إتصال بنا