| |
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي يخلق ولم يخلق، ويرزق ولا يرزق، ويطعم ولا يطعم، ويميت الأحياء ويحيي الموتى، وهو حيٌ لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير.. وأفضل الصلاة والسلام على سيّدنا ونبينا، وحبيب قلوبنا، وطبيب نفوسنا،وشفيع ذنوبنا محمد، صلى الله عليه وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين..
في ذكرى شهادة صادق أهل البيت (ع) العصمة العلمية والعملية للأئمة ( عليهم السلام)
الموضوعات
الوصية بالتقوى من هوالمسلم ومن هو المؤمن ؟ في ذكرى شهادة صادق أهل البيت (ع) أئمة أهل البيت(ع) صنائع الله
1- الوصية بالتقوى
أوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله تعالى الذي إليه معادكم وعليه حسابكم.
2- - من هوالمسلم ؟
بدايةً نقرأ حد يثاً للإمام الباقر(عليه أفضل الصلاة والسلام)،قال (ع) لسليمان بن خالد: (يا سليمان،أتدري من المسلم)... ؟ طبعاً هذا السؤال لو وُجّه إلى الشخص العادي سيقول: المسلم من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم) . لكن الواقع أن المسلم له مراتبٌ ودرجات، فهذا الذي يقول: (أشهد أن لا إله إلا الله, وأشهد أن محمداً رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) تجري عليه أحكام الإسلام، يعتبر طاهر، يحرم دمه وماله وعِرْضُه..، يجوز تزويجه إلى آخره.., أحكام الإسلام العامة تجري على هذا الإنسان، لكن هذا ليس كل الإسلام، وهذا ليس كلّ المسلم، هذا ليس كل ما يشكّل شخصية المسلم. (يا سليمان أتدري من المسلم)؟ قلت: جعلت فداك،أنت أعلم. قال: ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده).
الإنسان الذي يقول أنا مسلم ولا يكفّ عن الطعن في الناس، وعن الهجوم على الناس، وعن جرح الناس، وعن الخدش في الناس، هذا ليس بمسلم، المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه. وإذا حصل هذا الجرح والطعن ممن يتصدون لمسؤوليةٍ عامة، لمقامٍ عام، فسيكون أقبح والذنب أعظم. في الأسبوع الماضي أُفرجَ عن معتقلي كرزكان، أُفرج عنهم بحكم القضاء، بيّن القضاء أنهم أبرياء، بينما غير واحدٍ من النواب كانوا يقولون هؤلاء قتلة، وهذه تصريحاتٌ منشورةٌ في الجرائد، هؤلاء الذين قالوا إن هؤلاء قتلة فلْيأتوا الآن إلى الناس ولْيقولوا نحن أخطأنا فيما قلنا، ولْيذهبوا إلى هؤلاء الذين أفرج عنهم ولْيعتذروا إليهم.
3: من هو المؤمن ؟
ثم قال الإمام الباقر (عليه السلام ) : (وتدري من المؤمن)؟ قال : قلت أنت أعلم. قال: ( إنّ المؤمن من ائتمنه المسلمون على أموالهم وأنفسهم، والمسلم حرامٌ على المسلم أن يظلمه، أو يخذله،أو يدفعه دفعة تعنته). كون الانسان مسلما، مؤمناً له مسؤوليات،لكن مع الأسف الشديد نرى اليوم أن الكثير من هذه القيم تطبق في بعض الأمم والمجتمعات الكافرة أكثر مما تطبق في المجتمعات المسلمة.
1- في ذكرى شهادة صادق أهل البيت(ع).
مرَّت علينا ذكرى شهادة الإمام الصادق (عليه السلام) في نهاية الأسبوع الماضي، هذه الشخصية العظيمة، شخصية الإمام الصادق(ع)،الذي حتى نحن المؤمنين بإمامته ونحن اللذين نعتبر أنفسنا من أتباعه قد نكون مقصرين في معرفة مقامه (صلوات الله وسلامه عليه )، لكن لو كان هناك علمٌ وإنصاف، إذا دُرتَ في شرق الدنيا وغربها لن تجد مثل الإمام الصادق إماماً وعالما. لن تجد مثله في حِكَمِه بخصوص كيفية التعامل مع الآخرين، وكيفية الحديث مع الله سبحانه وتعالى، وكيفية العلاقة مع الله سبحانه وتعالى، وكيفية العلاقات الاجتماعية بين المسلمين.. وغير ذلك. خذ على سبيل المثال فقط كتاب (تحف العقول عن آل الرسول (ص)للعلامة ابن شعبة الحراني(ره)من أعلام القرن الرابع الهجري، والذي ذكر فيه للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) واحداً بعد الآخر، لكل واحدٍ من الأئمة (ع) مجموعةً من الأحاديث ومن جملتهم الإمام الصادق (ع)، اقرأ الأحاديث المذكورة في هذا الكتاب الشريف للإمام الصادق (ع) ، تدبَّر في حِكَمِ الإمام (ع) التي تعالج مختلف القضايا والموضوعات، ستجد إن تلك الحِكَمْ لم يصدر نظيراً لها من غيره (عليه السلام)، دلّونا على شخصيةٍ أخرى - غير أئمة أهل البيت (ع)- في عالم الإسلام تشبه هذا الإمام (ع) في كلامه ومنطقه، ملكت نصف هذا المقدار من الحكمة، ومن المواعظ والنصائح، ثلث هذا المقدار، عشر هذا المقدار، دلّونا على شخصية في عالم الإسلام.. لن تجدوا ذلك. انظروا إلى أدعية الإمام الصادق (ع) التي جُمع قسمٌ منها في الكتاب المطبوع بإسم (الصحيفة الصادقية)، أدعيةٌ عالية المضامين،حيث علّمنا من خلالها كيف نتحدث مع الله سبحانه وتعالى، هل تجدون نظيراً له في غيرهم.
5- أئمة أهل البيت (ع) صنائع الله
إن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أئمةٌ علماء بتعليمٍ من الله تعالى، هم ليسوا أشخاصاً عاديين، ومن الأدلة الواضحة على ذلك: إنك إذا راجعت التاريخ والمصادر التراثية التراجمية والرجالية لن تجد أن أيّاً منها ذكرت أن أيّ واحدٍ من أئمة أهل البيت (ع)- ومنهم الإمام الصادق (ع)، قد درس أو أخذ العلم أيّ علمٍ كان من عند أحدٍ من العلماء،وهذا دليلٌ كافٍ وافٍ على أنهم علماء بتعليمٍ إلهيٍ وليس بشري،وهو أوضح دليلٍ على إمامتهم وعصمتهم. لكن كل علماء المذاهب الأخرى إذا راجعت تاريخ حياتهم ستجد أنه مذكورٌ لهم أنهم درسوا عند مَنْ واخذوا العلم ممن، وبإمكانك أن تراجع التاريخ وتتحقق من هذه النقطة التي أقولها لك. لكن أخبرني عن إمامٍ واحدٍ من أئمة أهل البيت الاثني عشر (ع)الذين أورثونا هذا التراث العظيم من الحكمة والدعاء والمواعظ والفقه وغير ذلك من المعارف، دلَّني على إمامٍ (ع)واحدٍ أنه ذُكر في تاريخه أنه درس عند فلان أو اخذ العلم من فلان .. لن تجد ذلك, مع أنهم كانوا مستهدفين للانتقاص من قيمتهم الربانية من خلال الصاق مثل هذه الأمور بهم, لكن لما لم يجدوا مجالاً لذلك سكتوا عنهم (ع). إذاً هذه العلوم من أين جاءت لهم ؟ عمَّن أخذوها ؟ ممن تعلموها ؟ من الذي أفاض بها عليهم ؟ هذا دليل إمامتهم، يكفيك دليلاً على إمامتهم هذا الشيء. بحسب النظام الطبيعي في العالم لا يوجد شخصٌ يمكن أن يصبح عالماً دون أن يتعلم من العلماء، ويحضر عند العلماء، مثلاً انظروا إلى كبار مراجعنا الذين هم دون الإمام الصادق (ع) بآلاف المراتب إذا وصلوا إلى المقامات العلمية التي وصلوا إليها فتاريخهم واضح، إنهم درسوا عند فلان وفلان وفلان.. فترة عشرين سنة أو ثلاثين سنة، درسوا في الحوزات إلى أن وصلوا إلى المراتب العلمية العالية، أساتذتهم معروفون. لكن أئمتنا درسوا عند من ؟ كم هي مدة دراستهم ؟ غير موجودٍ في التاريخ هذا الشيء. وهذا دليلٌ قطعيٌ على أنهم مُعلَّمون بتعليم الله تعالى، وأنهم مسددون بتسديد الله، هذا دليل إمامتهم، مضافاً إلى بقية الأدلة. لكن الأمر يحتاج إلى أن يفتح الإنسان عينيه ويعطي المقام من الإنصاف ما يكفي. هيهات أن ندرك مقام الإمام الصادق (عليه السلام) وعظمة الإمام الصادق (عليه أفضل الصلاة والسلام). شخصيةٌ استقطبت المئآت أو الآلاف من التلاميذ والمتعلمين بمن فيهم أئمة المذاهب الأخرى كما ذكر المورخون، ففي نقلٍ تاريخيٍّ واحد يقول الحسن بن علي الوشّاء: (أدركت في هذا المسجد (جامع الكوفة) تسعمائة شيخ, كلٌ يقول حدثني جعفر بن محمد (عليه أفضل الصلاة والسلام). هذا الاستقطاب لهذا الكم الهائل من المتعلمين وممن يريدون أن يغترفوا من بحر علمه ويتزودوا من فيض علومه، دليلٌ على عظمة هذه الشخصية، عظمتها علميا. وإذا نظرت إلى الجانب العملي من حياتهم المباركة ودرست تاريخهم، فلن تجد شيئاًٍ مما لا ينبغي قد نُسب إلى أحدٍ منهم، حتى أعداؤهم لم يتهم أحداً بأدنى زلة، تاريخٌ نظيفٌ طاهرٌ مطهر، لم يتهمهم حتى أعداؤهم بشيءٍ من القبائح والزلات والدنائس إطلاقا. نعم، اتهموهم بأنهم يريدون الحكم لكن ذاك بحثٌ آخر، إذ ذاك كان حقهم وواجبهم بوصيةٍ من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أما أن يقول أحدٌ بأنّ الإمام الصادق أو الإمام الباقر أو بقية الأئمة (ع) صدر منهم العمل القبيح الفلاني فلا إطلاقا. وهذا من أدلة عصمتهم، انظروا إلى تاريخهم، تاريخٌ طاهرٌ ونظيف, وانظر إلى تاريخ الآخرين هل هو بنفس المثابة أم لا ؟! ذاك دليل إمامتهم على المستوى العلمي، وهذا دليل عصمتهم على المستوى العملي. والخلاصة: إن الإمام الصادق (ع) فوق أن نعرفه، إن في علمه وإن في جانب عمله، ولكن الله سبحانه وتعالى عيّن هؤلاء وعصمهم وسدَّدهم وزقَّهم العلم زقاً حتى يكونوا هداةً للبشرية. من سعد اقتدى واستفاد من نور علمهم واستضاء بعملهم، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لذلك إن شاء الله.
|
|