25/12/2009 - خطب الجمعه

 

خطب سابقة

25/12/2009

 


الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي لا يهتك حجابه، ولا يغلق بابه، ولا يرد سائله، ولا يخيب آمله.. ثم أفضل الصلاة والسلام على سيّدنا ونبينا،وحبيب قلوبنا،وطبيب نفوسنا محمد،صلى الله عليه وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين..

خفاء ولادة الإمام المنتظر (ع) دليلٌ إيجابيٌ أم سلبي ؟

الموضوعات:

الوصية بالتقوى هل خفاء ولادة الإمام المنتظر (ع) تبعث على التشكيك ؟ حديث الإمام الباقر (ع) في خفاء الولادة اخبار الإمام أمير المؤمنين (ع) عن خفاء الولادة الدنيا تجري وفق السنن الطبيعية

1- الوصية بالتقوى

أوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله تعالى.  2- هل خفاء ولادة الإمام المنتظر (ع) تبعث على التشكيك ؟ في خطبتنا الأولى هذه نتابع حديثنا حول القضايا المتعلقة بالإمام المهدي (عليه أفضل الصلاة والسلام). في الأسابيع الماضية ذكرنا مجموعةً كبيرةً من الأدلة والأحاديث التي تدل على حصول هذه الولادة المباركة،ونريد في هذه الخطبة أن نطرح سؤالاً يتعلق بالولادة كي نجيب عليه.  وهو أنه قد يقول قائل: إذا كانت هذه الولادة قد حصلت فلماذا هذا الخفاء الذي يلفّ هذه القضية، لماذا نجد أن ولادة الإمام المهدي (ع) تختلف عن بقية الأئمة السابقين ؟ حيث أن الأئمة السابقين (ع) كانت ولادتهم واضحةً ومسلّمة، بينما هي بالنسبة للإمام المهدي (ع) محل غموض وتشكيك،أليس هذا الغموض يدل على وجود شكٍ وترديدٍ في المسألة ؟ وبالتالي كيف يمكن أن نعتبر أن ولادة الإمام (ع) من القضايا المسلّمة التي يجب الإيمان بها ؟ مع العلم بأن الكثير من المسلمين يعني غالبية أهل السنة - وليسوا جميعهم - لا يعتقدون بتحقق هذه الولادة. الجواب: أن التشكيك في ولادة الإمام المهدي (ع) على مستوى علماء الشيعة وفقهاء الشيعة ومؤرخي الشيعة ومحدثي الشيعة غير موجود، لا خلاف بين الشيعة في تحقق هذه الولادة، هذه القضية ليست من القضايا الخلافية بين الشيعة، بل هي من القضايا المسلّمة عندهم التي لا خلاف فيها ولا جدال. لا يوجد عالمٌ من علماء الشيعة منذ زمن ولادة الإمام (ع) يعني سنة (255) للهجرة النبوية إلى الآن يشكك في هذه الولادة،باستثناء بعض الكتابات التي حصلت في هذه البضع سنوات الأخيرة والتي كتبت بأقلامٍ غير متخصصةٍ وغير عالمة، وغير مطلعة على حقائق الدين والمذهب، فوقعت في خطأ التشكيك. وإلا فعلى مستوى علماء الشيعة،وفقهاء الشيعة، ومحدثي الشيعة،ومؤرخي الشيعة لا خلاف بينهم في تحقق الولادة،والمسألة ليست من القضايا الخلافية. وهذا الاتفاق بين العلماء - وكما قلنا في بدايات هذه الخطب - هو من أدلة تحقق هذه الولادة. إذاً لا يصح أن يطرح - كما جاء في السؤال - أنه لماذا يوجد خلافٌ وتشكيكٌ في ولادة الإمام (ع) ؟  لا يوجد خلاف على المستوى الشيعي،فعلماء الشيعة ومحدثوهم ومؤرخوهم وفقهاؤهم مطبِقون متّفقون، من القرن الأول الهجري إلى هذا القرن، متفقون على ذلك، ولا يوجد طيلة هذه القرون حتى عالمٌ واحدٌ من علماء الشيعة قد شكَّك في موضوع الولادة، إنّما الخلاف مع مجموعةٍ كبيرةٍ (وليس مع الكل) من اخواننا السنة فقط لا أكثر. نعم الغموض موجود، لكن ليس بمعنى أننا لا نعلم هل الإمام (ع) تولّد أم لم يتولد،بل هناك خفاءٌ في ولادة الإمام (ع) على مستوى الواقع الخارجي،بمعنى أن الإمام العسكري (عليه السلام) أخفى هذه الولادة عن عموم الناس، وإنما أطلع عليها فئةً محدودةً من خُلّص أصحابه أي ما يقرب من أربعين شخص، من الزُبْدة والنُخْبة التي  كانت محل ثقة الإمام (ع)، بل وشرَّفها برؤية الإمام المنتظر (ع) أيضا. هناك خفاءٌ في الولادة بهذا المعنى، بمعنى أنه الإمام العسكري (ع) لم يسمح للجميع بأن يتشرفوا برؤية الإمام المنتظر (ع)، لم يُطْلع عموم الناس على تحقق هذه الولادة، وهذا كان لفلسفة صون الإمام (ع) والمحافظة عليه من أن يتعرض للقتل أو الخطف أو ما شاكل ذلك. إذاً الغموض والخفاء غير موجود، بمعنى الخفاء الباعث على الشك في حصول هذا الشيء. وإنما الخفاء الذي نجده في ولادة الإمام (ع) هو الخفاء بمعنى أن الإمام العسكري (ع) كتم هذا الخبر، لم يسمح بنشره، كتم ولادة الإمام (ع)،لم يسمح بأن يتشرف عموم الناس برؤية الإمام (ع)، هذا هو الخفاء الموجود في ولادة الإمام المنتظر (ع).  والنتيجة: إن هذه قضيةٌ خفيةٌ جلية،كيف ؟ من قبيل أنك تعلم أن شخصاً مثلاً حصل له شيئٌ مّا ولكنه يتكتم على الأمر، فالقضية مسلّمة، لكنها غير مشهورة، غير مذاعة، غير معلنة.  فالخفاء الذي يوجد في ولادة الإمام المنتظر (ع) هو خفاءٌ بمعنى أن الإمام العسكري (ع) لم يعلن هذه الولادة، لم يشهر هذه الولادة، ولكنها ولادةٌ مسلّمةٌ أكيدة. بل إن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بينّوا أن من علائم الإمام المهدي ومن خصوصياته (ع) خفاء الولادة،باعتبار أن في تاريخ الإسلام، يعني في القرن الأول، وفي القرن الثاني وفي القرن الثالث وأيضاً القرون الأخرى كان هناك أشخاصٌ من العباسيين وغير العباسيين ادّعوا أنهم المهدي المنتظر (ع)، ادّعوا المهدوية. ولكن أئمة أهل البيت (ع) بينّوا لنا أن من علامات المهدي المنتظر (ع) خفاء الولادة، وهذه العلامة مذكورةٌ من قبل الأئمة السابقين على الإمام العسكري (ع). الأئمة الأولين (ع) بينّوا أن من علامات الإمام المهدي (ع) خفاء الولادة، ومعنى ذلك إنه إذا جاءكم شخصٌ وادّعى أنه المهدي المنتظر (ع) ولم يكن خفيّ الولادة فهذا ليس هو صاحبكم، صاحبكم هو من تكون ولادته خفية،والأحاديث في هذا الباب كثيرة، ولنقرأ حديثين منها:  أولا: حديث الإمام الباقر (ع) في خفاء الولادة عبد الله بن عطاء، ينقل عن الإمام الباقر (عليه السلام)، يقول: قلت للإمام الباقر: (إن شيعتك بالعراق كثيرة، والله ما في أهل بيتك مثلك فكيف لا تخرج) ؟ يعني أنت أعظم شخصية وأصلح شخصية في أهل البيت (ع) تصلح لقيادة الأمة، وشيعتك بالعراق كثيرة فلماذا لا تخرج ؟ فأجابه الإمام (ع): (يا عبد الله بن عطاء، قد أخذت تفرش أذنيك للنوكى..) يعني أجدك فاتحاً أذنيك للحمقى، تسمع كلامهم، ما هذا الكلام الذي تقوله ؟ (قد أخذت .. أي والله ما أنا بصاحبكم)،أي ليس أنا صاحبكم الذي يخرج ويملأها عدلاً وقسطا. قال: قلت له: (فمن صاحبنا) ؟ قال: (انظروا من عمي على الناس ولادته) صاحبكم هو ذاك الذي تخفى ولادته عن الناس، فمن تكون ولادته خفية فذاك صاحبكم، ذاك الذي يخرج ويملأها قسطاً وعدلا. ثم قال (ع): (إنه ليس منّا أحدٌ يشار إليه بالإصبع، ويمضغ بالألسن إلا مات غيظاً أو رغم أنفه(1))، أي لا يوجد من أئمة أهل البيت (ع) إمام (ع) يُشار إليه بالإصبع .. (مثلاً يقال: الإمام الباقر (ع) الموجود في المدينة أو الموجود في العراق، أو الموجود في كذا..)،يُشار إليه يعني يعيش بين الناس، يعاشر الناس، يخالط الناس..  (يُشار إليه بالإصبع، ويُمضغ بالألسن) يُمضغ بالألسن: أي أن الناس يتحدثون حوله وعنه.. (إنه ليس منّا أحدٌ يشار إليه بالإصبع، ويمضغ بالألسن إلا مات غيظاً أو رغم أنفه) الإمام الباقر (ع) هنا يؤكد لعبد الله بن عطاء أن من علائم المهدي المنتظر (ع) خفاء الولادة، وهذا الحديث من الأحاديث المعجزة، لأن هذا الحديث صادرٌ من الإمام الباقر (ع) قبل ولادة الإمام المهدي (ع) بما يقرب من مائة سنة، الإمام الباقر (ع) يخبر أن ولادة المهدي (ع) ستكون خفية. يعني أن كل من ادّعى أنه المهدي (ع) ولم يكن خفي الولادة فليس هو المهدي (ع). إذاً، خفاء ولادة الإمام المنتظر (ع) يُعَدُّ من علائم المهدي المنتظر (ع)، ولو كان جليُّ الولادة لم يكن هو المهدي (ع)، فالمهدي (ع) هو الذي يكون خفيّ الولادة،وهذا ما سجَّله التاريخ بكل وضوحٍ أن الإمام العسكري (عليه السلام) كان يتخفَّى على ولادة الإمام المهدي المنتظر (ع) ولم يعلن ذلك إلا لمجموعةٍ صغيرةٍ من خُلّص أصحابه. إذاً خفاء الولادة في الإمام المنتظر (ع) لا يعتبر نقطةً سلبيةً على مستوى وصعيد إثبات هذه الولادة المباركة،بل هذا الخفاء دليلٌ على إمامته (صلوات الله وسلامه عليه)،دليلٌ على أنه هو المهدي المنتظر (صلوات الله وسلامه عليه).   ثانياً: أخبار الإمام أمير المؤمنين (ع) عن خفاء الولادة  قال (عليه السلام): (للقائم منّا - القائم هو الإمام المنتظر - غيبةٌ أمدها طويل، كأني بالشيعة يجولون جَوَلان النِعَمْ في غيبته،يطلبون المرعى فلا يجدونه). يعني يطلبون من يلوذون إليه، من يحتمون به، من ينصرونه ويستنصرونه فلا يجدونه لخفائه وغيبته عن الناس. (يطلبون المرعى فلا يجدونه). ثم قال (ع): (ألا فمن ثبت منهم على دينه ولم يقس قلبه - يعني لم يُصَبْ بقسوة القلب، لم يتضعضع إيمانه بالمهدي المنتظر (ع)،بقي صامداً على هذه العقيدة على يقينٍ بها غير مترددٍ ولا مشككٍ فيها - ألا فمن ثبت منهم على دينه ولم يقسُ قلبه لطول أمد غيبة إمامه،فهو معي في درجتي يوم القيامة). ثم قال (عليه السلام): (إن القائم منّا ـ يعني الإمام المنتظر ـ إذا قام لم يكن لأحدٍ في عنقه بيعة..). يعني لا يمكن لأيّ نظامٍ سياسيٍ في العالم أن يقول له أنت خارج على النظام العام، أو أنت مواطن يجب أن تلتزم بالقوانين الموجودة، أو أنت مواطن في هذه الدولة وهذه الدولة لها مؤسساتها ويجب أن تنشط من خلال المؤسسات الموجودة.. (إن القائم منّا إذا قام لم يكن لأحدٍ في عنقه بيعة،فلذلك تُخفى ولادته ويُغّيب شخصه). (2)  أيضاً يُغيَّب (ع) شخصه بمعنى أن الناس لا يتمكنون من مشاهدته، ومن الإلتقاء به، مشاهدته في حال كونهم عارفين بأنه هو المهدي المنتظر (ع)، جعل الله الحكمة في خفاء ولادته، وجعل الله الحكمة في تغييب شخصه، هناك حكمةٌ في هذه الغيبة، وهناك حكمةٌ في خفاء ولادته (عليه أفضل الصلاة والسلام). إذاً، من السمات البارزة للمهدي المنتظر (ع) خفاء الولادة، تغييب الشخص، بمعنى عدم تمكّن عموم الناس من الاجتماع به ومن رؤيته والنظر إليه عارفين بأنه هو المهدي المنتظر (ع).  وهناك رواياتٌ أخرى كثيرة تحدثت عن مسألة خفاء الولادة لكن الوقت لا يسمح بقرائتها. النتيجة: أن خفاء ولادة الإمام المنتظر (ع) لا يُعدُّ نقطةً سلبيةً على مستوى إثبات تحقق هذه الولادة، بل بالعكس هذا الخفاء يُعدُّ من أدلة وقوع هذه الولادة المباركة وتحققها.  3- الدنيا تجري وفق السنن الطبيعية لا يقولنّ أحد، لا يقولن مشكك: لو كان قد وُلد (صلوات الله وسلامه عليه) فلماذا هذا الخفاء الذي يلفُّ هذه الولادة ؟ هذا الخفاء من علامات الإمام المهدي (ع)، من سِماتِه، من خصوصياته، وفي ذلك حِكَمٌ فالإمام العسكري (ع) - وكما تقدم - أخفى هذه الولادة حتى يحافظ على الامام (ع). قد تقول: ألا يمكن لله سبحانه وتعالى أن يحافظ على المهدي المنتظر (ع) حتى لا يتعرض له الظالمون بالقتل،ومن دون الاستعانة باخفاء ولادته ؟ إذاً لماذا إخفاء الولادة ؟ كان يمكن أن يكون جليّ الولادة، مشهورٌ ولادته، والله سبحانه وتعالى يحافظ عليه ؟  الجواب: نعم،الله سبحانه وتعالى يمكنه ذلك،ولكنه مخالفٌ للسنن الالهية في دار الدنيا التي هي أساساً هي دار التكليف والتي تجري فيها الأمور وفق السنن الطبيعية،وإلا ستبطل التكاليف والثواب والعقاب.  إذا أراد الله سبحانه وتعالى أن يحافظ على المهدي المنتظر (ع) من القتل بنظام الإعجاز، فمعنى ذلك أنه يريد أن يصلح العالم بنظام الإعجاز، وهذا مخالفٌ للسنن الالهية في دار الدنيا التي هي دار التكليف، دار الامتحان،وجري الأمور وفق السنن الطبيعية. حتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يحافظ عليه الله سبحانه وتعالى بنظام الإعجاز، ولذا كان يدخل في الحروب، يُجرح، يُضرب... إلى آخره.  وقد قتل الإمام الحسين (عليه السلام) بعين الله، وأهل بيته (ع) أُسِروا، هذه الدار دار التكليف، يعني إن سنة الله ليست جارية على حفظ أوليائه بطريقة الإعجاز، هذه الدنيا دنيا التكليف، يعني أن الظالم يمكنه أن يلحق الضرر بأولياء الله تعالى، يمكنه أن يلحق الضرر بأهل الإيمان، يمكنه أن يلحق الضرر بالأئمة (عليهم السلام)،أي أن سيف الظالم يعمل، والمؤمن يجب أن يتحصَّن، والمؤمن يجب أن يتقي، فالدنيا لا تجري بنظام الإعجاز. نعم هناك موارد وحالات كثيرة يتم فيها الحفظ الالهي للإنبياء والأئمة (عليهم السلام) ولأوليائه وعباده بعنايةٍ خاصةٍ منه،ولكنها ليست القاعدة الأساسية في الدنيا. سنة الله في الدنيا جاريةٌ على أن تكون كل القوى متساوية فيها، بمعنى أن الإمكانات متاحة للجميع، الظالم متاحٌ له أن يلحق الضرر بالآخرين، الدنيا مفتوحةٌ له، والمنافق كذلك، والمؤمن ايضاً الدنيا مفتوحة له، (قل كلٌ يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا). (3)   لو كان الله سبحانه وتعالى يريد أن يصلح الدنيا بالمهدي المنتظر (ع) عن طريق الإعجاز، لكان الأولى - ربما - أن يصلحها بطريق الإعجاز على يد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلماذا يخوض النبي (ص) الحروب والغزوات ويسقط الشهداء الكثيرون وتحصل الآلام الكثيرة ؟ لماذا ؟ هذه الدنيا دنيا التكليف، دار الامتحان، والله سبحانه وتعالى يختبر عباده، من يكون مؤمنا، من يكون منافقا، من يكون فاسقا، من يكون ظالما، من يكون كافرا، هذه الدار دار الاختبار، نحن في دار الامتحان، والله سبحانه وتعالى لم يبتعث أنبيائه (ع) حتى يصلحوا الناس والعالم بالإعجاز والقهر والغلبة. المهدي المنتظر (ع) أيضاً شخصٌ كرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من هذا الجانب، أي أن المهدي المنتظر (ع) يجب أن يحافظ على نفسه كرسول الله (ص)، والإمام العسكري (عليه السلام) أخفى ولادته حتى يحافظ عليه.  أما أنه أين يعيش الآن ؟ وكيف يتخفى على نفسه ؟ هذه البحوث والأسئلة قد نتعرض إليها في المستقبل إن شاء الله تعالى. نعم، هناك تسديدٌ إلهي، هناك رعايةٌ إلهية، لكن هذا التسديد وهذه الرعاية ليست إلى السقف الذي يعطّل السنن الطبيعية في الكون والدنيا تعطيلاً كليا. ولذا حتى بعد خروج المهدي المنتظر (ع) إنما يسبط العدل في الأرض ويملأها قسطاً وعدلاً بالسيف وليس بالإعجاز بحيث كل الكفار في العالم يصبحون مسلمين، وكل المنافقين يصبحون مؤمنين بالإعجاز، الموضوع ليس بهذا الشكل.  تكون هناك حروبٌ كثيرة، ويكون هناك القتال الكثير، ويكون هناك القتلى الكثيرون، ويكون هناك الشهداء الكثيرون، سنين من القتال، وهذه من المسلّمات في روايات أئمة أهل البيت (ع)، أن وقت خروج المهدي (ع) ليس وقت الراحة والاستراحة، بل وقت القتال والسيف والشهادة.  والنتيجة التي نستنتجها من هذا البحث: أن مسألة خفاء ولادة الإمام المنتظر تعتبر من ميزات الإمام (ع)، من خصوصياته التي اختص بها، والتي أعلن عنها الأئمة السابقون (ع)، فقد أخبروا أنه من خصوصيات الإمام المهدي (ع) خفاء الولادة. إذاً خفاء الولادة يُعتبر دليلاً واضحاً وجلياً على حقانية هذه الولادة وتحققها، وأن من نؤمن به وهو غائب عنّا، نؤمن به ولا يمكننا التشرف باللقاء به، ذاك هو المهدي المنتظر (ع)، فإذا جاء شخصٌ وادّعى أنه المهدي (ع) ولم يكن خفي الولادة ولا مغيّب الشخص فذاك ليس هو المهدي، المهدي هو من يكون خفي الولادة، المهدي (ع) هو الذي يكون مغيباً شخصه، غائباً عن الأنظار، إلا في مواقع نادرة تقتضي المصلحة أن يأذن بتشرف البعض بمحضره، ويأذن برؤيا البعض له، لكن هذه إستثناءات، أما الحالة العامة والقاعدة الأساسية فهي غياب الإمام (ع) وعدم تمكّن الناس من الالتقاء به (ع). يجب أن نفقه، ونتعرف على شخصية المهدي المنتظر (ع) فقهاً دقيقاً ومعرفةً دقيقة، أنه ما هي خصوصياته (ع) ؟ كيف تحدث الأئمة السابقون، أئمة أهل البيت (عليهم أفضل الصلاة والسلام) عن هذه الشخصية القيادية المعصومة التي تنتظرها البشرية، والتي بشّرت عنها الأديان السابقة والكتب الإلهية السابقة، أعني التوراة والانجيل مضافاً إلى القرآن الكريم، وأحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأحاديث أئمة أهل البيت (عليهم أفضل الصلاة والسلام). فمن الضروري أن نعمق من وعينا ومعرفتنا بخصوصيات المهدي المنتظر (عليه أفضل الصلاة والسلام). نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لذلك ويجعلنا لذلك أهلاً ومحلا. الى هنا أنجزنا الحديث - في هذه الخطبة والخطب السابقة - حول قضيتين:  أولاً: أصل الولادة.  ثانياً: خفاء الولادة.    إلى بقية القضايا التي سوف نتعرض إليها بإذن الله تعالى في الخطب القادمة.

 

 
 


الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي يخلق ولم يخلق، ويرزق ولا يرزق، ويطعم ولا يطعم، ويميت الأحياء ويحيي الموتى، وهو حيٌ لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير.. وأفضل الصلاة والسلام على سيّدنا ونبينا، وحبيب قلوبنا، وطبيب نفوسنا،وشفيع ذنوبنا محمد، صلى الله عليه وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين..

في ذكرى شهادة صادق أهل البيت  (ع)  العصمة العلمية والعملية للأئمة (  عليهم السلام)


الموضوعات

الوصية بالتقوى من هوالمسلم ومن هو المؤمن ؟ في ذكرى شهادة صادق أهل البيت (ع) أئمة أهل البيت(ع) صنائع الله

1- الوصية بالتقوى

أوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله تعالى الذي إليه معادكم وعليه حسابكم.

2- - من هوالمسلم ؟

بدايةً نقرأ حد يثاً للإمام الباقر(عليه أفضل الصلاة والسلام)،قال (ع) لسليمان بن خالد: (يا سليمان،أتدري من المسلم)... ؟ طبعاً هذا السؤال لو وُجّه إلى الشخص العادي سيقول: المسلم من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله   (  صلى الله عليه وآله وسلم)      . لكن الواقع أن المسلم له مراتبٌ ودرجات، فهذا الذي يقول: (أشهد أن لا إله إلا الله, وأشهد أن محمداً رسول الله  ( صلى الله عليه وآله وسلم ) تجري عليه أحكام الإسلام، يعتبر طاهر، يحرم دمه وماله وعِرْضُه..، يجوز تزويجه إلى آخره.., أحكام الإسلام العامة تجري على هذا الإنسان، لكن هذا ليس كل الإسلام، وهذا ليس كلّ المسلم، هذا ليس كل ما يشكّل شخصية المسلم. (يا سليمان أتدري من المسلم)؟ قلت:  جعلت فداك،أنت أعلم. قال: ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده).

الإنسان الذي يقول أنا مسلم ولا يكفّ عن الطعن في الناس، وعن الهجوم على الناس، وعن جرح الناس، وعن الخدش في الناس، هذا ليس بمسلم، المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه. وإذا حصل هذا الجرح والطعن ممن يتصدون لمسؤوليةٍ عامة، لمقامٍ عام، فسيكون أقبح والذنب أعظم. في الأسبوع الماضي أُفرجَ عن معتقلي كرزكان، أُفرج عنهم بحكم القضاء، بيّن القضاء أنهم أبرياء، بينما غير واحدٍ من النواب كانوا يقولون هؤلاء قتلة، وهذه تصريحاتٌ منشورةٌ في الجرائد، هؤلاء الذين قالوا إن هؤلاء قتلة فلْيأتوا الآن إلى الناس ولْيقولوا نحن أخطأنا فيما قلنا، ولْيذهبوا إلى هؤلاء الذين أفرج عنهم ولْيعتذروا إليهم.

3: من هو المؤمن ؟

ثم قال الإمام الباقر (عليه السلام   ) :  (وتدري من المؤمن)؟  قال :  قلت أنت أعلم. قال: ( إنّ المؤمن من ائتمنه المسلمون على أموالهم وأنفسهم، والمسلم حرامٌ على المسلم أن يظلمه، أو يخذله،أو يدفعه دفعة تعنته). كون الانسان مسلما، مؤمناً له مسؤوليات،لكن مع الأسف الشديد نرى اليوم أن الكثير من هذه القيم تطبق في بعض الأمم والمجتمعات الكافرة  أكثر مما تطبق في المجتمعات المسلمة.

1- في ذكرى شهادة صادق أهل البيت(ع).

مرَّت علينا ذكرى شهادة الإمام الصادق (عليه السلام) في نهاية الأسبوع الماضي، هذه الشخصية العظيمة، شخصية الإمام الصادق(ع)،الذي حتى نحن المؤمنين بإمامته ونحن اللذين نعتبر أنفسنا من أتباعه قد نكون مقصرين في معرفة مقامه (صلوات الله وسلامه عليه )، لكن لو كان  هناك علمٌ وإنصاف، إذا دُرتَ في شرق الدنيا وغربها لن تجد مثل الإمام الصادق إماماً وعالما. لن تجد مثله في حِكَمِه بخصوص كيفية التعامل مع الآخرين، وكيفية الحديث مع الله سبحانه وتعالى، وكيفية العلاقة مع الله سبحانه وتعالى، وكيفية العلاقات الاجتماعية بين المسلمين.. وغير ذلك. خذ على سبيل المثال فقط كتاب  (تحف العقول عن آل الرسول (ص)للعلامة ابن شعبة الحراني(ره)من أعلام القرن الرابع الهجري، والذي ذكر فيه للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) واحداً بعد الآخر، لكل واحدٍ من الأئمة (ع) مجموعةً من الأحاديث ومن جملتهم الإمام الصادق (ع)، اقرأ الأحاديث المذكورة في هذا الكتاب الشريف للإمام الصادق (ع) ، تدبَّر في حِكَمِ الإمام (ع) التي تعالج مختلف القضايا والموضوعات، ستجد إن تلك الحِكَمْ لم يصدر نظيراً لها من غيره (عليه السلام)، دلّونا على شخصيةٍ أخرى - غير أئمة أهل البيت (ع)- في عالم الإسلام تشبه هذا الإمام (ع) في كلامه ومنطقه، ملكت نصف هذا المقدار من الحكمة، ومن المواعظ والنصائح، ثلث هذا المقدار، عشر هذا المقدار، دلّونا على شخصية في عالم الإسلام.. لن تجدوا ذلك. انظروا إلى أدعية الإمام الصادق  (ع) التي جُمع قسمٌ منها في الكتاب المطبوع بإسم (الصحيفة الصادقية)، أدعيةٌ عالية المضامين،حيث علّمنا من خلالها كيف نتحدث مع الله سبحانه وتعالى، هل تجدون نظيراً له في غيرهم.

5-  أئمة أهل البيت  (ع) صنائع الله

إن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أئمةٌ علماء بتعليمٍ من الله تعالى، هم ليسوا أشخاصاً عاديين، ومن الأدلة الواضحة على ذلك: إنك إذا راجعت التاريخ والمصادر التراثية التراجمية والرجالية لن تجد أن أيّاً منها ذكرت أن أيّ واحدٍ من أئمة أهل البيت (ع)-  ومنهم الإمام الصادق  (ع)، قد درس أو أخذ العلم أيّ علمٍ كان من عند أحدٍ من العلماء،وهذا دليلٌ كافٍ وافٍ على أنهم علماء بتعليمٍ إلهيٍ وليس بشري،وهو أوضح دليلٍ على إمامتهم وعصمتهم.  لكن كل علماء المذاهب الأخرى إذا راجعت تاريخ حياتهم ستجد أنه مذكورٌ لهم أنهم درسوا عند مَنْ واخذوا العلم ممن، وبإمكانك أن تراجع التاريخ وتتحقق من هذه النقطة التي أقولها لك. لكن أخبرني عن إمامٍ واحدٍ من أئمة أهل البيت الاثني عشر (ع)الذين أورثونا هذا التراث العظيم من الحكمة والدعاء والمواعظ والفقه وغير ذلك من المعارف، دلَّني على إمامٍ (ع)واحدٍ أنه ذُكر في تاريخه أنه درس عند فلان أو اخذ العلم من فلان .. لن تجد ذلك, مع أنهم كانوا مستهدفين للانتقاص من قيمتهم الربانية من خلال الصاق مثل هذه الأمور بهم, لكن لما لم يجدوا مجالاً لذلك سكتوا عنهم (ع). إذاً هذه العلوم من أين جاءت لهم ؟ عمَّن أخذوها ؟ ممن تعلموها ؟ من الذي أفاض بها عليهم ؟ هذا دليل إمامتهم، يكفيك دليلاً على إمامتهم هذا الشيء. بحسب النظام الطبيعي في العالم لا يوجد شخصٌ يمكن أن يصبح عالماً دون أن يتعلم من العلماء، ويحضر عند العلماء، مثلاً انظروا إلى كبار مراجعنا الذين هم دون الإمام الصادق (ع) بآلاف المراتب إذا وصلوا إلى المقامات العلمية التي وصلوا إليها فتاريخهم واضح، إنهم درسوا عند فلان وفلان وفلان.. فترة عشرين سنة أو ثلاثين سنة، درسوا في الحوزات إلى أن وصلوا إلى المراتب العلمية العالية، أساتذتهم معروفون. لكن أئمتنا درسوا عند من ؟ كم هي مدة دراستهم ؟ غير موجودٍ في التاريخ هذا الشيء. وهذا دليلٌ قطعيٌ على أنهم مُعلَّمون بتعليم الله تعالى، وأنهم مسددون بتسديد الله، هذا دليل إمامتهم، مضافاً إلى بقية الأدلة. لكن الأمر يحتاج إلى أن يفتح الإنسان عينيه ويعطي المقام من الإنصاف ما يكفي. هيهات أن ندرك مقام الإمام الصادق (عليه السلام) وعظمة الإمام الصادق (عليه أفضل الصلاة والسلام). شخصيةٌ استقطبت المئآت أو الآلاف من التلاميذ والمتعلمين بمن فيهم أئمة المذاهب الأخرى كما ذكر المورخون، ففي نقلٍ تاريخيٍّ واحد يقول الحسن بن علي الوشّاء: (أدركت في هذا المسجد (جامع الكوفة) تسعمائة شيخ, كلٌ يقول حدثني جعفر بن محمد (عليه أفضل الصلاة والسلام). هذا الاستقطاب لهذا الكم الهائل من المتعلمين وممن يريدون أن يغترفوا من بحر علمه ويتزودوا من فيض علومه، دليلٌ على عظمة هذه الشخصية، عظمتها علميا. وإذا نظرت إلى الجانب العملي من حياتهم المباركة ودرست تاريخهم، فلن تجد شيئاًٍ مما لا ينبغي قد نُسب إلى أحدٍ منهم، حتى أعداؤهم لم يتهم أحداً بأدنى زلة، تاريخٌ نظيفٌ طاهرٌ مطهر، لم يتهمهم حتى أعداؤهم بشيءٍ من القبائح والزلات والدنائس إطلاقا. نعم، اتهموهم بأنهم يريدون الحكم لكن ذاك بحثٌ آخر، إذ ذاك كان حقهم وواجبهم بوصيةٍ من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أما أن يقول أحدٌ بأنّ الإمام الصادق أو الإمام الباقر أو بقية الأئمة (ع) صدر منهم العمل القبيح الفلاني فلا إطلاقا. وهذا من أدلة عصمتهم، انظروا إلى تاريخهم، تاريخٌ طاهرٌ ونظيف, وانظر إلى تاريخ الآخرين هل هو بنفس المثابة أم لا ؟!  ذاك دليل إمامتهم على المستوى العلمي، وهذا دليل عصمتهم على المستوى العملي.  والخلاصة: إن الإمام الصادق (ع) فوق أن نعرفه، إن في علمه وإن في جانب عمله، ولكن الله سبحانه وتعالى عيّن هؤلاء وعصمهم وسدَّدهم وزقَّهم العلم زقاً حتى يكونوا هداةً للبشرية. من سعد اقتدى واستفاد من نور علمهم واستضاء بعملهم، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لذلك إن شاء الله.

 

 
 
 
 
 

2009 جميع الحقوق محفوظة لدى مكتب الشيخ حسين النجاتي، تصميم وتطوير نيما

 

التقويم والأوقات الشرعية

|

مواقع مفيده

|

مزارات البحرين

|

إتصال بنا